كتابات و اراء

العيد ليس عيداً للجميع

محمد الحطامي

اليوم عيد…
يومٌ يفترض أن تمتلئ فيه القلوب بالفرح، وأن تزدحم الشوارع بالضحكات، وأن تتعالى بين الناس أصوات التهاني والبِشر.

لكن في داخلي شعورٌ آخر تمامًا…
شعورٌ لا يشبه العيد، ولا يعرف الطريق إلى الفرح.
تمرّ السنوات، لكن بعض اللحظات لا تمضي.
ستّ سنوات من السجن ليست ذكرى عابرة، بل عمرٌ كامل عشته بكل ما فيه من ألمٍ وصبرٍ وانتظار.

وفي مثل هذا اليوم تعود التفاصيل كلّها دفعةً واحدة…
الوجوه، الأصوات، الليالي الطويلة، وذلك الأمل الصغير الذي كنّا نتمسّك به رغم كل شيء.
لا أستطيع أن أعيش العيد كما ينبغي…
لأن جزءًا مني ما زال هناك، خلف تلك الجدران، مع أناس لم يعودوا مجرّد رفاق، بل إخوة جمعتنا المعاناة وربطتنا لحظات لا يمكن أن تُنسى.

اليوم أفكّر بهم أكثر من أي وقتٍ مضى…
كيف يقضون عيدهم؟
هل يجدون لحظة سلامٍ وسط هذا القيد؟
هل تصلهم أصوات التكبير كما تصلنا، أم أن الصمت هناك أقسى من كل شيء؟

العيد لا يكون عيدًا حقيقيًا حين يكتمل الفرح لنا ويغيب عن غيرنا…
حين نرتدي الجديد، وهناك من حُرم حتى من أبسط حقوقه.
حين نجتمع مع أهلنا، وهناك من حُرم من حضن أطفاله ودفء عائلته.
وأفكّر أيضًا في هذا الوطن الذي أنهكته الحرب…
وطنٌ كان يستحق أن يكون أجمل، فإذا به يُثقل بالجراح والانقسام.

حربٌ لم تترك شيئًا إلا وأخذت منه نصيبًا…
من بيوتنا، من أحلامنا، من قلوبنا، وحتى من قدرتنا على الفرح.
متى ينتهي كل هذا؟
متى تعود الأيام بسيطة كما كانت؟
متى نستيقظ على وطنٍ لا يخيفنا، ولا يفرّقنا، ولا يزرع بيننا الحواجز؟

متى نعيش في بلدٍ واحد، بقلبٍ واحد…
بلا عنصرية، بلا طائفية، بلا كراهية؟
ورغم كل هذا… ما زال في الداخل شيءٌ يرفض أن ينطفئ.
شيءٌ صغير اسمه الأمل.
أملٌ بأن يعود كل غائب، وأن تُفتح كل الأبواب، وأن تنتهي هذه المعاناة يومًا ما.

أملٌ بأن يأتي عيدٌ مختلف… عيدٌ لا نحمل فيه هذا الحزن، ولا نستحضر فيه هذه الذكريات، بل نعيشه كما يستحق أن يُعاش.

إلى كل من ما زال هناك… أنتم لستم منسيّين.
إلى كل من ينتظر الحرية… الفجر لا بدّ أن يأتي، مهما طال الليل.
وإلى هذا الوطن…
سنظل نحلم بك كما يجب أن تكون، لا كما فرضته الحرب.
كل عام وأنتم بخير… رغم كل شيء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى