كتابات و اراء

مدرسة المشاغلين.. دراما رمضانية تكشف تمرد المراهقين تحت وطأة الفقر

سمية عبده العمراني

في كل موسم رمضاني تحاول الدراما اليمنية الاقتراب أكثر من واقع المجتمع وتسليط الضوء على قضاياه الأساسية، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها بسبب ضعف الإمكانيات الإنتاجية والنظرة المحافظة التي تفرض رقابة غير رسمية تعرف بثقافة التحفظ الاجتماعي. ونتيجة لذلك تضيع العديد من الرسائل الإنسانية والاجتماعية التي تحاول هذه الأعمال إيصالها.

وسط أحداث مسلسل “مدرسة المشاغلين” يظهر الفقر كقوة خفية تحرك الأحداث وتعيد تشكيل اختيارات الشخصيات. إنه البطل غير المرئي الذي يضع المراهقين أمام صراعات يومية بين القيم والضغوط الاجتماعية، ويكشف تأثير الظروف الاقتصادية على سلوكيات الشباب وهويتهم.

يختار المسلسل المدرسة الثانوية مسرحًا لأحداثه، وهو اختيار موفق لعرض هذه القضايا، فمرحلة المراهقة مفصلية وحساسة، حيث تتشكل ملامح الوعي وتُبنى المواقف الأولى تجاه المجتمع. ومن خلال هذا الإطار يكشف العمل كيف يمكن للفقر حين يقترن بالإهمال الأسري والضغوط الاجتماعية، أن يدفع بعض المراهقين إلى التمرد أو الانحراف أو البحث عن طرق خاطئة للهروب من واقعهم القاسي.

فالمشكلة لا تتوقف عند ضيق الحال المادي، بل تمتد لتصنع تصدعات عميقة في العلاقات الأسرية وتخلق فجوة عاطفية بين الآباء والأبناء. المشاكل الأسرية المتراكمة مثل الخلافات الزوجية أو ضعف التواصل بين الوالدين والأبناء تزيد من حدة هذه الأزمات وتجعل المراهق أكثر عرضة للانزلاق نحو السلوكيات الخطرة والانحراف. كما يسلط المسلسل الضوء على غياب المتابعة الأبوية وتراجع دور الأسرة في توجيه الأبناء، ما يجعل بعض الشباب أمام خيارات محفوفة بالمخاطر قد تبدأ بالتمرد وتنتهي أحيانًا بسلوكيات منحرفة أو البحث عن مصادر دخل غير مشروعة.

يعلو صوت الضمير من خلال شخصية الأستاذ ناظم، المعلم الذي يسعى لزرع الأمل في نفوس الطلاب وإعادة الثقة بقيمة التعليم. فحتى أولئك الذين يبدون في البداية ساخطين على المدرسة أو غير مهتمين بالدراسة، يجدون في دعمه سببًا للاستمرار، لأن التعليم قد يكون الطريق الوحيد لتغيير مصير المراهقين.

ومع ذلك يظل الصراع بين الأمل والواقع غير متكافئ، فالفقر حاضر كقوة ضاغطة ترجح كفة الأحداث وتعيد تشكيل موازين الخير والشر. وهنا ينجح المسلسل في تقديم الفقر كأزمة اجتماعية تتجاوز حدود الاقتصاد لتصل إلى بنية القيم والعلاقات داخل المجتمع.

إلا أن العمل يضع نفسه أمام موقف نقدي واضح عند معالجة قضية حساسة، وهي مشاهد بيع المخدرات داخل المدارس. على الرغم من محاولة عرض الواقع، فإن هذه المشاهد قد تُفسر كسلوك مقبول أو قابل للتقليد من قبل الطلاب المراهقين، خصوصًا في غياب الرقابة الأسرية والتوعية الصحيحة. كما أن عرض هذه الممارسات التمثيلية دون معالجة جذورها يقلل من فاعلية الرسالة التعليمية للدراما ويضعف التأثير الإيجابي على توجيه المراهقين نحو السلوكيات السليمة.

ويُختتم هذا الخط الدرامي بمشهد القبض على عصابة المخدرات والحكم عليهم بالسجن، إلا أن مجرد عرض العقوبة لا يكفي لمواجهة أسباب انتشار المخدرات. فالقضية تتطلب برامج توعية مستمرة، رقابة أسرية ومدرسية فعالة، ومبادرات وقائية للشباب، لضمان أن تبقى الدراما أداة تعليمية واجتماعية فعالة. هنا يظهر دور الدراما الأخلاقي ليس فقط في عرض المشكلة، بل في تقديم حلول واقعية تساعد المجتمع على التصدي للأزمات قبل أن تتحول إلى واقع مأساوي.

ويبقى الأمل معلقًا في الموسم القادم، حيث أعلن فريق الإنتاج عن جزء جديد قد يتيح معالجة هذه القضايا بعمق أكبر وواقعية أكثر، مما يفتح المجال لمناقشة مستمرة حول تأثير الفقر والمشاكل الأسرية على سلوك المراهقين.

في المجمل قد لا يكون “مدرسة المشاغلين” عملا مثاليًا فنيًا، لكنه ينجح في إثارة نقاش مجتمعي مهم حول الفقر وتأثيره العميق على المراهقين، مع إبراز الحاجة لوعي أكبر حول سلبيات المشاهد الخطرة مثل المخدرات، لضمان أن تبقى الدراما اليمنية وسيلة للتثقيف الاجتماعي وليس مجرد وسيلة للترفيه

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى