
يشهد الشارع العربي اليوم حالة من الإعجاب المربك أو التضامن الغريب مع إيران، رغم سنوات طويلة من الصراعات والهزائم التي تكبدتها الدول العربية بفضل سياساتها الإقليمية. هناك شعور شائع بين بعض المفكرين والمحللين بأن انهيار إيران سيترك المنطقة تحت سيطرة إسرائيل، أو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل الحرب تلبية لرغبات نتنياهو، وأن أي صراع معها لن ينتهي إلا بالاستنزاف الطويل لأمريكا، فيما إيران ستصمد أكثر من واشنطن. هذه الرؤى، رغم كونها شائعة، تصيب العقل السياسي بالغش والارتباك، وتضع القارئ أمام خيالات لا علاقة لها بالواقع الاستراتيجي.
لنأخذ مثـالاً حقيقيًا: تصريحات رئيس أذربيجان الأخيرة ضد طهران أثارت تساؤلات عربية واسعة. كيف لدولة شيعية مثل أذربيجان أن تتحرك ضد إيران؟ الواقع أن التاريخ الحديث يعطي جوابًا بسيطًا: فخلال حرب أرمينيا، وقفت إيران إلى جانب أرمينيا، بينما دعمت تركيا أذربيجان. هذه ليست قضية عقيدة أو ولاء ديني، وأنما مناورات سياسية واضحة في سياق مصالح وميثاق إقليمي. لكن بعض وسائل الإعلام والخرافات الشعبية قرأت الحدث بوصفه دليلًا على “خيانة إيران للإسلام” أو “تناقضها العقائدي”، وهذا عين الخطأ التحليلي الذي يسقط فيه كثيرون.
الوهم الأكبر يكمن في تصور أن إيران قوة لا تُقهر، أو أن صواريخها الإعلامية تعكس قوة حقيقية في ساحات المواجهة. الواقع يثبت أن إيران، رغم استعراضها الإعلامي وصورها الباهتة من صواريخ وتدريبات، لم تخترق أي بنية معلوماتية أو دفاعية للعدو. لذلك أي تصور يتوقع بأنها تصمد أكثر من أمريكا أو إسرائيل، أو أن ترامب دخل الحرب تلبية لرغبة حلفائه، هو مجرد خرافة مستمدة من الرغبة في تفسير الأحداث بطريقة مبسطة تريح المشاعر أكثر من العقل.
أما من يدعي أن حرب الاستنزاف سترهق الولايات المتحدة قبل إيران، فهو يعيش في عالم وهمي. التجارب التاريخية تثبت أن إسرائيل، منذ طوفان الأقصى وحتى اليوم، قادرة على خوض سبع جبهات دون انهيار. لكن المحور الإيراني، بالمقابل، يتفكك من كل جانب، والمبالغة في تقدير قدراته تجعل بعض المثقفين العرب يسقطون في وهم القوة المبالغ فيه. عندما نقول إن ترمب “انتحر سياسيًا” بالدخول للحرب تلبية لطلب نتنياهو، وأن إيران مستعدة لاستنزاف أمريكا، فهذا هو المثال الصارخ على الخطأ في قراءة الواقع.
ما يثير السخرية أكثر هو من يعتقد أن لديه القدرة على معرفة نهايات الحرب أفضل من أجهزة استخبارات كبرى مثل CIA، وأنه قادر على توقع نتائج الصراع بدقة قبل وقوعه. هذا الاعتقاد، مهما حاولنا تجميله بمفردات فلسفية، ليس إلا مهزلة العقل البشري أمام لعبة استراتيجية معقدة، حيث المصالح، والردع، والتقدير العسكري، والتحالفات الدولية هي الحاكمة الفعلية.
ولا ينبغي أن نغفل عن أدوات القوة الأخرى في المنطقة. فالتحالفات الإقليمية، ودور الجيوش الوطنية الكبرى مثل الجيش المصري، تشكل شوكة في ميزان القوى لا يمكن تجاوزها بسهولة، وهذا يضع حدودًا حقيقية لقدرة أي طرف على الهيمنة الإقليمية، بما في ذلك إسرائيل أو إيران.
ما يميز هذا المقال عن خطابات الرأي المكررة هو التركيز على أن الخرافات حول الحرب، إيران، وترمب ليست مجرد انحراف معرفي، بل خطر على وعي الشعوب. إذ يحول الناس من متابعين نقديين إلى أصوات تلقائية في جوقة الخيال السياسي، ويعطل قدرتهم على قراءة الاستراتيجيات الحقيقية وإدراك طبيعة الصراعات في المنطقة.
هذا لا يعني إنكار الصراع أو التقليل من قدرات الأطراف، بقدر ماهي محاولة لإعادة الواقع إلى حجمه الصحيح: إيران دولة تبحث عن مصالحها الإقليمية، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان عن مصالحهما، وتحركات الدول الأخرى، مثل أذربيجان وتركيا، تأتي ضمن منطق السياسة والمصالح، وليس ضمن أي عقيدة. الاستنزاف الحقيقي ليس بين الشعوب بل بين التحليلات المبنية على الخرافات والواقع نفسه.
في النهاية، المطلوب هو التمييز بين الواقع الاستراتيجي المعقد، وبين الخيال الشعبي الذي يسعى لتفسير الأحداث وفق أهواء عاطفية أو ولاءات وهمية. كل من يريد فهم ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم عليه أن يقرأ السياسة كما هي، لا كما يود أن تكون في أحلام القطيع أو في مواقف أولئك الذين يظنون أنهم يعرفون نهاية الحروب قبل وقوعها.



