كتابات و اراء

تقوى فرعونية

إلياس المجاهد

​في الصفوف الأولى بين المصلين، يتقنُ تزيين ملامحه بالخشوع؛ فلا يغيبُ عن صلاة قط، لكن لو بحثت عنه في واقع حياته وتعامله لوجدت إبليس تلميذاً له.

يجيدُ الريا ويُسيءُ التعبد، بارعٌ في المظهر، خاوٍ في الجوهر.

​يتشدقُ بالقرآن ويتغنى بذكر الخالق، ولولا خوفه من الناس لقال أنا ابن الله؛ ليكرر جُرم النصارى ويجدد خطيئة اليهود.

يتقمص دور حارس القرآن وحامي حمى الدين والأمة، بينما هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن روحيهما. كثيراً ما يملأ الدنيا صراخاً: قاطعوا اليهود والنصارى، بينما لا يطيبُ له العيش إلا على موائدهم، ولا يقتاتُ إلا من فتاتهم.

​ينقادُ له قطيعٌ من البشر، يقدسونه بذريعة أنه سيد من سلالة النبي.

في طغيانه لا يختلف عن فرعون، إلا أنه حوّر المفهوم الفرعوني ونفث سُمَّ الدناءة في مصطلح مبتذلٍ استدعاه من ظلمات الجاهلية الأولى؛ فبدلاً من أن يقول: أنا ربكم الأعلى، قال: أنا ابن رسولكم.. أنا سيدكم، ليؤدي بالبشر إلى عبوديته.

​لقد نسيَ أن النبي الذي ينسب نفسه إليه، بُعث ليُحيي الأمة على الإخاء، ويُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

لكنه ضلل سيرة المصطفى، ونسج من مخيلته خرافاتٍ توافق أهواءه، مكملاً ما بدأه المنافقون في حادثة الإفك؛ فراح يرمي أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه، ويسبُّ صحابة رسول الله.

​ولأن الله حكيمٌ في تدبيره، قال: ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)).

وكأن الوحي علِمَ ضيق عقول هؤلاء الذين سيقدسون الأبناء ويسودونهم، ظانين أن النبوة إرثٌ ومغنم.

يا لفجاجة عقولهم ويا لصفاقة أحلامهم!

​يظهر وطنياً جداً في خطاباته، يحث الناس على الوفاء للوطن لأنه يزعم أن الوطن حقٌ حصري له، ويدعي أحقية الحكم كونه صلة الوصل بين الرب وعباده.

لا يستخدم لغةً واضحة، بل يجيد المواربة وإسدال الستائر، وما خفي خلف أقنعته كان أعظم وأدهى.

​أجل، لِنعترف بدهائه وحكمته البليغة، وبفوزه الساحق على فرعون بفطنته الحقيرة.

فكيف استطاع إقناع القطيع بأنه الأفضل والأنزه؟ وكيف طوّعهم بمنحهم صكوك غفران زائفة، ليُدرج مصائرهم تحت رحمته العفنة؟ يا لغباء فرعون وسذاجته بجانب مكر هذا الأفاق!

​لقد أدرك هذا المدعي ما غاب عن جبابرة التاريخ؛ فأيقن أن القيد الذي يُصنع من المقدس أقوى من قيد الحديد.

وهنا تحضرني مقولة أينشتاين التي تلخص هذا المشهد المأساوي: “إن حشد العقلاء أمرٌ معقد للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى لراعٍ وكلب”.

​وهكذا، نصّب نفسه راعياً، وجعل من أفكاره المسمومة كلباً يحرسُ وعي التابعين، ليظلوا سجناء حظيرته، يسبحون بحمده وهم يساقون إلى حتفهِم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى