اخبار وتقارير

عمرو الحاج.. بانتظار صباح لا يصل

تيار نيوز_قصة صحفية

من عبد الودود مشهور

في آخر الممر، حيث الرطوبة عالقة على الجدران ورائحة المكان لا تتبدل، كان عمرو أمين الحاج وهو شابٌ في منتصف العقد الثالث من العمر يفتح عينيه على الصوت نفسه كل يوم؛ احتكاك الحديد بالحديد، ثم وقع خطوات تقترب ببطء من باب الزنزانة.
لا نافذة في الغرفة الصغيرة. الضوء يصل باهتًا من فتحة عالية، والوقت هناك يفقد معناه سريعًا. الصباح يشبه الليل، والأيام تمر ثقيلة دون علامة واضحة سوى جولات التحقيق والصمت الطويل.

عمرو شابًا من أبناء مديرية الشمايتين بمحافظة تعز كان قبل أعوام يعيش حياة عادية تتسع لأحلام بسيطة؛ دراسة مؤجلة لبعض الوقت، وعمل يفكر فيه لاحقًا، وأم اعتادت انتظاره عند المساء.
الحرب دفعت تلك الحياة بعيدًا. ومع اتساع خطوط القتال، غادر قريته والتحق بالجيش الوطني. تنقل بين الجوف ومأرب، وعاد من كل جبهة بملامح أكثر هدوءًا، وبصمتٍ أطول من عمره.

من القرية إلى الجبهة

في إحدى ليالي عام 2021،
كانت الجبهة مشتعلة على امتداد التلال. القصف يقترب، والأرض ترتجف تحت أقدام المقاتلين. أحد الناجين من الأسر، وكان ضمن المجموعة نفسها، يستعيد تلك الساعات بصوت متقطع:
“تحركنا ضمن تعزيزات لفك الحصار عن مجموعة من رفاقنا. الطريق لم يستغرق وقتًا طويلًا، وعندما وصلنا كان كل شيء قد حُسم”.

وسط الفوضى والدخان، سقط عمرو مع عدد من رفاقه في الأسر، بينهم صديقه وابن قريته سفيان علي ردمان وعلي عبده القرع منذ تلك اللحظة، بدأت حياة أخرى لا تشبه ما قبلها.

سنوات خلف القضبان

داخل المعتقل، تتقلص المسافات بين البشر والأشياء. الغرفة الواحدة تتحول إلى مكان للنوم والطعام وقضاء الحاجة. المياه تصل بكميات محدودة، والهواء ثقيل في ْالزنازين الضيقة.
وعبر شهادة نقلها أحد المفرج عنهم حديثًا، تحدث عن تلك التفاصيل التي تتراكم ببطء داخل الذاكرة.

في تفاصيل المعاناة يقول: “إن أصعب ما يواجهه السجين شعوره بأنه غائب عن العالم، وإن الأيام الطويلة تدفع بعض المعتقلين إلى حافة الانهيار. وتحدث عن الشتاء في صنعاء، حين كانت البرودة تتسلل إلى الأجساد المنهكة، وعن البطانيات التي تُمنح أحيانًا خلال زيارات فرق الصليب الأحمر ثم تُسحب بعد مغادرتهم”.

في بعض الأيام، يُنادى على أسماء معتقلين ويُقال لهم إن صفقة تبادل اقتربت. يعود الأمل إلى الوجوه للحظات قصيرة، ثم تنتهي الساعات بعودتهم إلى الزنازين نفسها. بعضهم لم يحتمل تلك الدورات المتكررة من الرجاء والانطفاء.

ويضيف الناجي من المعتقل، أن “بين المعتقلين رجالًا تجاوزوا أعمارًا متقدمة وآخرين يعانون أمراضًا مزمنة، فيما يصل العلاج متأخرًا في أحيان كثيرة”.

احصائيات

وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تعرض نحو 1893 مختطفًا، بينهم نساء وأطفال، لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي في معتقلات الحوثيين خلال الفترة الممتدة من يناير 2018 حتى يناير 2025.

تتشابه الحكايات في ملامحها الأولى، ثم تتفرق في التفاصيل الصغيرة داخل تلك الجدران، رجلٌ فقد قدرته على المشي، وآخر صار يتجنب الكلام، وشاب يحاول حفظ أسماء رفاقه خشية أن يبتلعهم النسيان.

عمرو يفعل ذلك كل ليلة. يستعيد الوجوه القديمة، ويرتب الأسماء في ذاكرته بصمت، ويتمسك بما تبقى من صور البيت البعيد.

أسرة تنتظر

تعيش أسرته في الخارج على الانتظار
أمه لم تتلقَّ أي رسالة رسمية عنه منذ سنوات. تمر أمام غرفته يوميًا، وتتوقف أحيانًا عند أشيائه القديمة؛ صورة معلقة على الجدار، قطعة ملابس بقيت في مكانها، ومقعد ظل فارغًا منذ رحيله.

تقول بصوت خافت أثقله الغياب:
“نريد فقط أن نعرف إن كان حيًا”.

ثم يعود البيت إلى هدوئه المعتاد، بينما يظل الباب مفتوحًا على احتمال مؤجل. وفي آخر الليل، داخل الزنزانة البعيدة، يغمض عمرو عينيه ويتمسك بالفكرة نفسها التي رافقته منذ سنوات:
ربما يحمل اليوم التالي خبرًا مختلفًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى