حين يقف الرجل في المكان الصحيح. وهنا لا يعود السؤال: من مع العليمي؟ بل السؤال الأصدق: من مع اليمن؟
قيس المعافري

ليس كل من تكلّم امتلك موقفًا، ولا كل من رفع شعارًا حمل قضية البلاد. فالمواقف الحقيقية لا تُقاس بحدّة الخطاب، بل بقدرة أصحابها على الثبات حين تتكاثر الضغوط، وتُحاك المؤامرات على الوطن، وعلى الانحياز للدولة حين تتزاحم المصالح، وعلى تحمّل الكلفة حين يهرب الآخرون إلى الظل.
نعم، في الشرعية خلل، هذا اعتراف شجاع لا ينكره إلا مكابر. لكن الخلل لا يُعالج بتفكيك ما تبقّى من الدولة، ولا باستثمار الضعف لتحقيق مكاسب فئوية أو شخصية. الخلل يُصلَح بالاصطفاف، وبالتصحيح من الداخل، وبالتمسّك بالثوابت الوطنية التي لا يجوز القفز عليها مهما كانت المبرّرات. فحين تتحوّل الأخطاء إلى ذريعة للانقلاب على الشرعية، نكون قد انتقلنا من نقد مشروع إلى خيانة صريحة لفكرة الدولة.
في هذا المشهد المعقّد، يقف الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي وحيدًا في كثير من الأحيان، لا لأنه أراد العزلة، بل لأن طريق الدولة دائمًا أقل ازدحامًا من طرق المشاريع الصغيرة. يقاتل محليًا في وجه الابتزاز السياسي، ويواجه خارجيًا محاولات تطويع القرار الوطني، ويتحمّل حملات التشويه والخذلان من أطراف يُفترض أنها في خندق واحد معه. ومع ذلك، لم يُبدّل موقفًا، ولم يُساوم على مبدأ، ولم يُفرّط في جوهر القضية.
العليمي لا يقاتل من أجل سلطة، بل من أجل معنى الدولة. لا يدافع عن موقع، بل عن فكرة يمن كبير، دولة مؤسسات وسلطة شرعية لا تُختطف ولا تُجزّأ. وفي زمن الاصطفافات المناطقية والطائفية، يظل الرجل ثابتًا في موقعه كيمنيًّا خالصًا، لم يكن يومًا أسير جغرافيا ضيقة، ولا خطاب تعبوي مريض.
ابن تعز، الذي يحمل البلاد في خافقه، لم يتاجر يومًا بمدينته، ولم يجعل منها منصة للمزايدة أو ساحة للثأر السياسي. تعز عنده ليست لافتة تُرفع عند الحاجة، بل وجعًا ووعيًا ومسؤولية. ومن هذا الوجع الوطني تشكّلت رؤيته: دولة تحمي الجميع، لا جماعة تحكم الجميع.
الهجوم على العليمي اليوم ليس لأنه أخطأ في الثوابت، بل لأنه رفض الانحراف عنها. ليس لأنه أضعف الدولة، بل لأنه يُصرّ على إنقاذها من التفكيك الناعم، ومن مشاريع الأمر الواقع التي تتغذّى على الفوضى. ولذلك فإن استهدافه هو استهداف لفكرة الدولة نفسها، ومحاولة لإسكات الصوت الأخير الذي ما زال يتحدّث باسم اليمن، لا باسم السلالات أو الجهات أو الغنائم.
التاريخ لا يُنصف الصاخبين، بل الصامدين. وفي لحظة اليمن الراهنة، سيُسجَّل أن رجلًا وقف في المكان الصحيح، وحمل قضية وطن، ودفع ثمن مواقفه بصمت، مؤمنًا أن الدولة قد تتأخّر، لكنها لا تسقط ما دام هناك من يقاتل من أجلها بصدق.



