
لم يعد الخطر في الرصاص،
الخطر في الأسماء التي صارت محرَّمة،
وفي العقول التي تحوّلت إلى ثكنات،
وفي الأوطان التي تُدار بمنطق: من ليس معنا فهو ضدنا.
اكتب اسمًا…
فتُحاكم.
تسأل سؤالًا…
فتُخوَّن.
تنتقد فكرة…
فيُخرجون لك بطاقة الانتماء قبل أن يقرأوا السطر الأول.
طارق صالح؟
الانتقالي؟
الأحزاب؟
كلهم ليسوا المشكلة وحدهم…
المشكلة فينا حين حوّلناهم إلى أصنام،
نعبدهم دون تفكير،
وندافع عنهم وكأنهم آباؤنا،
ونغضب لهم أكثر مما نغضب للوطن نفسه.
صار السياسي مقدّسًا،
وصار المواطن متهمًا.
صار الزعيم معصومًا،
وصار السؤال جريمة.
أي وطن هذا
الذي لا يسمح لك أن تكتب إلا بعد أن تُعلن ولاءك؟
أي بلد هذا
الذي لا يسمع صوتك إلا إن صرخت من داخل قفص؟
نحن لا نعيش صراع أفكار،
نعيش حرب هويات.
كل طرف بنى سرديته،
وأغلق أذنيه،
وقال: هذه الحقيقة… وما عداها خيانة.
قسّمونا باسم القضية،
ومزّقونا باسم الانتصار،
وأقنعونا أن أخاك عدوك،
وأن المختلف خطر،
وأن الوطن لا يتسع إلا لصوت واحد.
لم تسقط الدولة حين سقطت المؤسسات،
سقطت حين صمت العقل،
وحين خاف الناس من الكلام،
وحين صار الكاتب يحسب كل حرف
وكأنه يمشي فوق حقل ألغام.
اليوم،
إن كتبت عن الفساد، قالوا: تخدم أجندة.
إن كتبت عن الظلم، قالوا: توقيتك مشبوه.
إن كتبت عن الوطن، سألوك فورًا:
أي وطن تقصد؟
حتى الوطن قسّموه.
وطن شمالي،
وطن جنوبي،
وطن حزبي،
وطن طائفي،
وطن مؤقت…
أما الوطن الحقيقي؟
فضاع بين الشعارات.
نحن لم نختلف فقط…
نحن توحّشنا.
صرنا ننهش بعضنا بالكلام،
ونفرح بسقوط الآخر،
ونصفّق للفشل إن أصاب خصمنا.
كل طرف يظن نفسه المنقذ،
وكل طرف يجرّ البلاد خطوة إلى الهاوية،
وكل طرف يقول: أنا الوطن.
لا…
الوطن ليس أنت،
ولا هو زعيمك،
ولا حزبك،
الوطن هو ذلك الإنسان البسيط
الذي يريد أن يعيش
دون أن يُسأل عن انتمائه قبل اسمه.
أكثر ما يؤلم
أننا تعوّدنا.
تعودنا على الانقسام،
على الكراهية،
على أن نرى بعضنا كأعداء.
صار الطبيعي أن تُهاجَم إن فكّرت،
وصار الغريب أن تُحترم إن اختلفت.
هذا النص ليس حياديًا،
هو منحاز للحقيقة،
وللوطن الذي يُذبح كل يوم
بسكين أبنائه.
إن كان قول هذا يزعجهم…
فليغضبوا.
الغضب أهون
من وطنٍ يُقسم
ولا أحد يجرؤ أن يقول:
كفى.



