كتابات و اراء

العليمي بين حماية الدولة وإنصاف القضية الجنوبية: أين تقف الحقيقة؟

قيس المعافري

تشهد الساحة اليمنية اليوم حالة احتقان في أعقاب الخطوات الأحادية التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي، بمحاولة التمدد العسكري في محافظتي حضرموت والمهرة. وهي خطوات لم تُرفض فقط من قبل الحكومة ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، بل أُدينت أيضًا دوليًا، باعتبارها خروجًا عن مسار التوافق وشروط نقل السلطة.

ومع هذا الموقف الواضح والصريح للرئيس العليمي، انطلقت حملة إعلامية ممنهجة تحاول خلق رواية مضادة، تدّعي أن الرجل ضد القضية الجنوبية. غير أن مراجعة واقعية لمسار الأحداث تكشف أن ما يجري ليس خلافًا مع الجنوب كقضية عادلة، وإنما خلاف مع إجراءات أحادية تهدد بنسف التوافق الوطني الذي تأسس عليه مجلس القيادة، وتفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية لا يريدها أحد.

منذ توليه منصبه، قدّم العليمي موقفًا ثابتًا يقوم على احترام القضية الجنوبية ومعالجة ملفاتها الحساسة، لكن ضمن إطار الدولة لا خارجها. فقد أصرّ في ملفات عديدة، وعلى رأسها ملف الموظفين المبعدين قسرًا، على إعادة الحقوق لأصحابها، وأعاد الاعتبار لمظالم طال انتظار معالجتها، وهو ما يُعد أحد أهم مطالب القوى الجنوبية منذ سنوات.

فهل يُعقل أن من يتبنى معالجة هذه القضايا العادلة يُتهم فجأة بأنه ضد الجنوب، فقط لأنه اعترض على انتشار عسكري أحادي قد يفجّر الوضع الأمني؟

السؤال وحده يكشف تناقض الحملة، ويؤكد أن الاتهامات سياسية لا علاقة لها بجوهر القضية الجنوبية.

القضية الجنوبية قضية وطنية عادلة، تتعلق بالناس وحقوقهم وبمظلومية تراكمت لعقود. ولذلك فإن أي محاولة لحصرها في طرف واحد، أو قوة واحدة، أو مشروع واحد، هي اختزال مضر بالجنوب قبل أن يكون مضرًا باليمن.

الرئيس العليمي، بشهادات متعددة، تعامل مع القضية الجنوبية بمبدأين واضحين: الإنصاف لا الإقصاء، والشراكة لا الانفراد.

أما الخطوات الأحادية، فهي بطبيعتها تتعارض مع جوهر القضية، التي تحتاج إلى توافق، وإلى مظلة وطنية ودولية تحمي أي حلول مستقبلية وتضمن عدالة تنفيذها.

ما قام به الرئيس العليمي ليس رفضًا للجنوب، بل رفضًا لخطوات تهدد الاستقرار في لحظة حرجة، وتعيد رسم خطوط تماس جديدة داخل المحافظات الشرقية، ما قد يفتح سيناريوهات صراع لا تُبقي ولا تذر.

إن رفضه لهذه التحركات ينسجم مع اتفاق نقل السلطة، والتزامات مجلس القيادة، ورؤية المجتمع الدولي لمسار الحل، ومنطق الدولة والمصلحة العامة.

والأهم، أنه ينسجم مع مستقبل القضية الجنوبية نفسها، التي تحتاج إلى قوة مؤسسات لا سطوة أجنحة.

 

من المستفيد من شيطنة موقف الرئيس؟

السؤال الجوهري هنا: ما المصلحة في تصوير موقف رئاسي قانوني ودستوري على أنه عداء للجنوب؟

الإجابة تكمن في أن بعض القوى تسعى لتحويل القضية الجنوبية من قضية شعب إلى سلاح تفاوض أو ورقة ضغط، وتريد من الدولة أن تصمت أمام التمدد العسكري حتى يُكرَّس واقع جديد على الأرض.

لكن العليمي رفض بوضوح أن تتحول الدولة إلى شاهد صامت، أو أن يُفرض على مجلس القيادة ما يخالف روح الشراكة التي تأسس عليها.

الرئيس العليمي لم يكن يومًا ضد الجنوب، بل كان ضد أي خطوة تُضعف الجنوب والدولة معًا.

وإنصاف القضية الجنوبية يبدأ من تقوية المؤسسات لا إضعافها، ومن احترام الشراكات لا تجاوزها، ومن معالجة المظالم لا صناعة أزمات جديدة.

إن الحملات الإعلامية لا تغيّر من الحقيقة شيئًا:

العليمي وقف حيث يجب أن يقف رجل الدولة، في صف القانون، والشراكة، والمصلحة الوطنية، والجنوب نفسه.

وما بين الأصوات العالية والحسابات الضيقة، يبقى موقف الدولة — كما عبّر عنه العليمي — هو الأكثر عقلانية وقوة:

لا للخطوات الأحادية، نعم لقضية جنوبية عادلة في إطار توافق وشراكة تحمي الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى