
ما الذي يحدث حين تنهار أمة؟
إنه ليس مجرد حدث سياسي، بل هو ظاهرة أنطولوجية (وجودية) مرعبة. إنه ليس سقوط نظام فقط، بل انحلال “الكينونة”. إنه اللحظة التي يتوقف فيها الزمن عن السير إلى الأمام، ويبدأ في الارتداد إلى الخلف بسرعة كارثية، مبتلعًا في طريقه كل ما تراكم من أحلام ومنجزات ومعنى. هذه هي “اللحظة الصفرية” التي يعيشها اليمن اليوم.
لقد قضينا ستين عامًا في مشروع حداثي متعثر، نحاول فيه_بكل عيوبنا_أن ننتقل من حالة “الرعية” إلى حالة “المواطن”. كانت رحلة شاقة من كهف القبيلة والطائفة إلى فضاء الدولة الوطنية. كانت محاولة لانتزاع الإنسان اليمني من جاذبية الماضي السحيق ودفعه نحو مدار المستقبل. كانت الدولة، بكل فسادها وهشاشتها، هي ذلك العقد الاجتماعي الهش الذي يضمن لنا الحد الأدنى من التعايش، ويمنحنا هوية جامعة اسمها “اليمن”.
ولكن، لقد تمزق هذا العقد، وانهارت جاذبيته والآن نُشفط إلى داخل ثقب أسود هوياتي. في هذا الثقب الأسود، تنهار قوانين الفيزياء السياسية التي عرفناها:
ينهار مفهوم الزمن الخطي: لم يعد هناك (ماضٍ، وحاضر، ومستقبل). بل أصبح الماضي هو المستقبل. يتم استدعاء أكثر اللحظات ظلامية في تاريخنا (الإمامة، الصراعات السلطانية) لتكون هي نموذج الحكم القادم. نحن لا نتقدم، بل نغوص في ذاكرة التاريخ المريضة.
ثم ينهار مفهوم المكان الواحد: لم يعد “اليمن” مكانًا جغرافيًا جامعًا، بل تحول إلى “فضاءات نفسية” متصارعة. كل جماعة تعيش في يمنها الخاص، بحدوده الخاصة، وأبطاله الخاصين، وأعدائه الخاصين. لقد تحولت الخريطة إلى شظايا من زجاج مهشم، كل شظية تعكس صورة مشوهة ومختلفة.
وفي النهاية ينهار مفهوم الإنسان: تم اختزال الإنسان من كائن مركب ومعقد (مواطن، أب، مهندس، شاعر،طبيب) إلى هوية أحادية وبدائية (شمالي، جنوبي، حوثي، سلفي، شافعي). هذه هي عملية “التجريد” التي تمارسها الأيديولوجيات الشمولية، حيث يتم تجريد الإنسان من إنسانيته ليصبح مجرد “وقود” في معركة الجماعة.
وعندما نتساءل لماذا حدث هذا السقوط المريع؟؟
نجد الجواب واضحًا. لأننا ارتكبنا الخطيئة الأصلية التي حذر منها الفلاسفة: “لقد بنينا دولة دون أن نبني الإنسان الحديث القادر على حمل هذه الدولة”. لقد استوردنا الديمقراطية كسلعة، ولم نزرع العقلانية النقدية كثقافة…!!
لقد تبنينا “العلمانية” كشعار، ولم نخض معركة “الأنسنة” التي تضع الإنسان وقيمته وحريته فوق كل اعتبار…؟
لقد كانت حداثتنا قشرة رقيقة، لم تمس البنية العميقة للعقل الجمعي الذي ظل أسيرًا لثالوث الموت الحضاري: “القبيلة، والطائفة، والغنيمة”. والآن، القشرة تحطمت، وخرجت وحوش ما قبل الدولة من عقالها، لتبتلع كل شيء…؟!
إن الاحتفال بسيطرة هذه الجماعات ليس مجرد موقف سياسي، بل هو عرض من أعراض هذا الموت السريري للعقل. إنه “متلازمة الإيمان الأخير”؛ فحين يفقد الإنسان المحاصر بالخراب قدرته على التفكير النقدي، يتعلق بأي “يقين” مُطلق يُعرض عليه، حتى لو كان هذا اليقين هو حبل المشنقة. إنه يهرب من “قلق الحرية” إلى “طمأنينة العبودية”.
لكن، وفي قلب هذا الثقب الأسود، لا يزال هناك بصيص ضوء واحد لا يمكن ابتلاعه: “الوعي الفردي”. الوعي بأن ما يحدث ليس انتصارًا وإنما كارثة. الوعي بأن “الأمـن” الذي يعدون به هو أمن القبور، و”النظام” الذي يبشرون به هو نظام السجون. الوعي بأن استعادة الإنسان هي المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض الآن.
مهمتنا اليوم ليست سياسية، بل هي مهمة وجودية. مهمتنا هي أن نرفض أن نكون مجرد “وقود”، وأن نتمسك بإنسانيتنا المركبة في وجه آلات التجريد. أن نصرخ في وجه هذا الصمت المطبق: “أنا كائن أفكر، إذن أنا لست منكم”.
قد لا نستطيع أن نمنع السقوط، لكن يمكننا أن نرفض أن نكون جزءًا منه. وفي هذا الرفض تكمن بذرة البعث القادم، حتى لو لم نكن هنا لنشهده. فمهمة جيلنا لم تعد بناء الدولة، بل أصبحت مهمة أكثر مأساوية ونبـلاً: “حراسة المعنى في زمن العدم”.



