
لم تكن رحلتي من تعز إلى مأرب مجرد انتقال جغرافي، بقدر ما كانت حكاية أمل مهني وطموح شخصي حملته معي طوال عشرين عاماً من العمل في المجال الإذاعي والتلفزيوني إعداداً وتقديماً وقراءةً للأخبار في إذاعتي صنعاء وتعز، مروراً بقناة يمن شباب وإذاعة صوت المقاومة. حملت شهاداتي وخبرتي وشغفي، ويممتُ وجهي نحو مأرب فور سماعي بدء البث التلفزيوني لقناة سبأ الجديدة، آملًا أن تكون بوابة عودتي إلى حياتي المهنية التي علّقتها الحرب منذ دمار إذاعة تعز قبل سنوات.
فور وصولي إلى مأرب كان في استقبالي رفيق السفر محمد الصبري، الذي أحاطني بكرم أهل المدينة وحفاوة الاستقبال. وجدت مدينة نابضة بالحياة: كهرباء حكومية مجانية لأصحاب البيوت والأكشاك الصغيرة، وأسعار رمزية للمحال التجارية، ومناخاً عاماً يصلح للعيش والعمل. للمرة الأولى منذ عشر سنوات شعرت بأن كربة التوقف عن العمل قد بدأت تنقشع. وفي المساء تجولت في المدينة لأراها كما لم أرها من قبل؛ عمران يتسع، وناس بسطاء بقلوب كبيرة، وأحاديث عن مأرب الجديدة التي تُبنى على جذور التاريخ.
في صباح اليوم التالي اتجهت نحو قناة سبأ. استقبلني أحد الأصدقاء بوجه بشوش وأدخلني إلى مبنى القناة الذي بدا كصرح إعلامي حديث يضاهي مؤسسات كبرى، بتجهيزاته واستديوهاته وإمكاناته الضخمة. طلبت لقاء مدير القناة خالد عليّان، لكن الرد كان واحداً كل مرة: “مسافر”. أسبوعان كاملان من الانتظار والوعود، حتى تأكدت من مقر إقامته، ورغم ذلك لم أحظَ بلقاء كان قد يختصر الكثير.
انتقلت بعدها إلى مقابلة مدير البرامج، فكانت الصدمة. بدا فاقداً لأبجديات العمل الإعلامي، وكأن الوساطة قد جاءت به إلى منصب لا يُتقنه. طرحت عليه أفكاري الإذاعية والتلفزيونية، فدوّنها على جهازه بطريقة ذكرتني بأنني أمام شخص لا يملك الخبرة الكافية. وكان رده: “القناة استعانت بلجان من مصر، ولدينا معلومات عنك بأنك من أفضل معدّي البرامج، لكن باب التوظيف مغلق. نحتاجك فقط كملاحظ بعد انطلاق الدورة البرامجية”. غادرت وأنا أدعو للقناة بالتوفيق، ولإعلامنا بالشفاء من عاهات الوساطة التي تقتل الإبداع قبل أن يبدأ، فمشروع إعلامي بهذه الإمكانات بحاجة إلى عقول وخبرات، لا إلى أبواب مغلقة وقرارات محكومة بالعلاقات.
طرقت أبواباً إعلامية أخرى؛ بدأت بإذاعة الجوف التي لا تملك سوى برنامج واحد، ومحصورة في توظيف أبناء المحافظة دون انفتاح مهني، ثم الإذاعة الاتحادية التي تعاني بدورها من الانغلاق. وأخيراً، وجدت نافذة ضوء في إذاعة مأرب حين التقيت مديرها الأستاذ أبو سلطان علي حسين الحواني الذي استقبلني بحفاوة نادرة، وقال في كلمات موجزة: “أنت مبدع ومن أفضل الكُتّاب والمعدين للبرامج، وربما أفضلهم. لدينا في مأرب قنوات كثيرة منافسة وأنصحك ألا تكشف أفكارك للجميع، وسنحتاجك هنا في إعداد البرامج”. كانت تلك أول مرة أشعر فيها بأن خبرتي تُقدّر حقاً.
لكن رغم كل ذلك ظل السؤال الذي يحزّ في نفسي يرافقني: هل يُعقل أن تكون تعز، عاصمة الثقافة والعمل والعلم، بلا إذاعة حكومية تتحدث باسم الدولة في منطقة حرب؟ كيف لمحافظة بحجم تعز، بتاريخها وطاقاتها البشرية، أن تبقى بلا صوت رسمي يعبّر عنها؟ سؤال برسم الحكومة والسلطة المحلية.
عدتُ إلى الحالمة تعز، حاملاً أوراقي وأفكاري، وما زلت أبحث عن إجابة واحدة: أين الإذاعة الحكومية لتعز؟



