كتابات و اراء

الجرحى… الإعاقة والخذلان

رشيد سيف الزعزعي

في وطنٍ مساحته الألم، وقياسه الخذلان، وترابه دماء من دافعوا عنه، وحجارته أشلاء الجرحى وأطرافهم!

من ضحّوا بأجسادهم وأطرافهم، لتعود الدولة وتُستعاد مؤسساتها، ها هم اليوم يقفون في رصيفٍ لم يعد يذكرهم، أو يحاول نسيانهم، يقفون لا بحثًا عن منصب _وهم الأولى من غيرهم_ بل عن لقمة عيش تسد رمقهم، وراتبٍ لا يكفي حتى لكيس دقيق ودبّة زيت!

بعد أن أخذت الحرب منهم أعضاءهم، فباتوا لا يقوون حتى على وضع لقمةٍ في أفواههم، ولا يستطيعون حتى النهوض من فراشهم، أو قضاء حاجاتهم، أصبحوا يحتاجون إلى أكثر من شخص يُساعدهم في كل شؤون حياتهم، أهكذا يكون جزاؤهم؟!

تساموا على كل تلك الجراح والإعاقات، وخرجوا يطالبون بحقوقهم، التي سلبتها الدولة التي أعادوها بأطرافهم وأعضائهم.

خرج المشلول على فراشه، والمبترون على كراسيهم، والمقعدون على سيارات الإسعاف!

يقولون ويؤكدون: لسنا نادمين على ما قدمناه في سبيل الله وسبيل استعادة الدولة، بل معاتبين من صعدوا على دمائنا وأشلائنا إلى هذه المناصب، والآن يحاولون أن يتنكروا لتلك الدماء التي سالت بغزارة في كل تبة وموقع وجبل، لو سُئلت تلك المواقع والتباب؛ لصدحت بصوتٍ يُبعثر خذلانهم وتجاهلهم _أنها لا تزال تحفظ أطرافهم ودماءهم، وأنها تُكنّ لهم كل الحب والتقدير، فلولا دماؤهم التي سُفكت، وأرجلهم التي بُترت، وأعينهم التي سُملت، وأسماعهم التي صُمّت – لما كانت الآن طاهرة من دنس المليشيا ورجزهم وقذارتهم!

لأكثر من أسبوع والجرحى المعاقون في تعز ومأرب، يفترشون الشوارع والأرصفة التي طهّروها بالأمس بشلالاتٍ من الدماء، والمئات من الأطراف والأشلاء، مطالبين بأبسط الحقوق: (راتب، مسكن، علاج)، وحتى الآن والساعة لم يلتفت إليهم مسؤولٌ أو وزير، ولم يسعَ قائدٌ أو مسؤول لمعالجة أوضاعهم… وكأنهم ليسوا من أوجد هذه الدولة بعد أن انقلبت عليها مليشيا الحوثي، وأبادت كل مظاهر الدولة!

في الوقت الذي يسرح ويمرح فيه المسؤولون في أضخم الملاهي، وألذ المطاعم في العالم، يُترك الجريح المغوار في سلة الإهمال، ويُرمى به في أقبيةِ الجوع وضيق ذات اليد وسجلات الديون!

يتكلم الجرحى بحرقة وألم: لم يُخرجنا إلا الجوع، وآهات الجراح، لم نعد نقوى على هذا الوضع، لا تزال جراحنا مفتوحة، وهذا الإهمال من قيادتنا يزيدها ألمًا، كأننا نضع عليها الملح، نعم الملح!

نحن كما ترون، لا نستطيع أن نعمل في أي مهنة، قد تخفف علينا من عبء هذا الوضع، بل أصبحنا عبئًا إضافيًا على أبنائنا وأهالينا… هذا الوطن لم يعد يذكرنا، لم يعد يهتم لأمرنا، بينما كنا نقاتل الموت من مترس إلى مترس، ومن خندقٍ إلى خندق، كان هناك من يقتنص الفرصة؛ ليحكمنا باسم تضحياتنا، وتحت مبرر الشرعية… وها نحن الآن نُهان ونُذل من قبل هؤلاء، من يحسبون أنفسهم مسؤولين عنا!

كنا في الأمس بين البرد القارس، والخوف الشديد يتخطفنا من كل مكان، والقذائف والصواريخ تنهمر علينا بغزارة، ولكن لم نستسلم ولم نهادن، جعلنا أجسادنا دروعًا ومتراسَ حمايةٍ عن حياض الوطن… وها نحن اليوم في أرصفة البؤس والخذلان والإهمال، بين البرد القارس والخذلان القاتل، والإهمال المتعمد… بالأمس كنا نقاتل في هذه الأرصفة المليشيا بكامل أطرافنا وأعضائنا، واليوم نقف في ذات المكان، على كراسينا المتحركة، وأجسادنا الممزقة، لا للتكريم والاحتفاء، بل لنطالب بحقوقنا المسلوبة المنهوبة، من الهوامير التي تسلقت إلى المناصب العليا متوكئةً على دمائنا وأشلائنا، وها هي اليوم تفعل بنا ما ترون!

لعلّ خروجنا واعتصامنا المفتوح، يُشعل فيهم نار المسؤولية، ويُخمد ألم الإهمال والخذلان…

لكن النار التي نراهن عليها لم تشتعل بعد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى