
من على خطوط النار إلى خيام الاعتصام، يواصل جرحى تعز نضالهم من نوع آخر هذه المرة ليس ضد العدو، بل ضد الصمت والتجاهل.
رجال كانت أجسادهم وقودًا للحرية واليوم يصرخون من فوق جراحهم مطالبين بالعدالة والإنصاف، بعد أن خذلتهم الجهات التي أقسمت يومًا أن ترعاهم.
هؤلاء الجرحى، أبناء الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، قدموا ما لا يقدمه إلا المؤمنون بعقيدة الوطن والكرامة، فسالت دماؤهم على تراب المدينة التي رفضت الركوع قاتلوا في كل جبهة، على كل قمة، وفي كل شبرٍ من أرضٍ طاهرة، مدركين أن دفاعهم لم يكن فقط عن موقعٍ عسكري أو تلةٍ استراتيجية، بل عن معنى الشرف ذاته.
ليست تعز مجرد جغرافيا، إنها رمز يتنفس الكبرياء. على ترابها الطاهر تحطمت معاول الكهنوت، وتكسرت مشاريع الطغيان حين يُذكر اسمها تهتز عروش الجان وتتراجع أوهام القوة.
ومن رحمها خرج الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر. لكن انتظار الجرحى اليوم لم يعد انتظار نصرٍ أو ميدانٍ جديد، بل انتظار اعترافٍ من وطنٍ قاتلوا لأجله.
ليس كل مسلمٍ مؤمنًا، ولا كل مؤمنٍ رجلًا، فالرجولة كما جسّدها جرحى تعز ليست مظهرًا ولا شعارًا، بل مواقف في لحظة الحقيقة هي الشجاعة حين يهرب الآخرون، والكرم حين يشتد البأس، والنخوة حين يضيع الحق. استمدّ هؤلاء الأبطال قيمهم من المدرسة المحمدية، من سيرة الرجل الأول في الأمة محمد بن عبدالله ﷺ الذي علّمنا أن الذود عن الأرض والعرض واجبٌ مقدّس.
وفي اقتدائهم بنهجه قدّم جرحى تعز أجسادهم قرابين للكرامة حتى صاروا عنوانًا للبطولة وشاهدًا حيًا على أن التضحية لا تُشترى ولا تُنسى.
اليوم، يعتصم هؤلاء الجرحى في الساحات، بعضهم بلا أطراف وآخرون فقدوا البصر لكنهم لم يفقدوا البصيرة يطالبون بحقوقٍ بديهية؛ علاجٍ ورعايةٍ وتقديرٍ لدماءٍ لم تجف بعد.
مأساتهم ليست في الجراح، بل في الصمت الرسمي، في التجاهل الذي يجعل بطولاتهم تبدو كأنها حدث عابر في ذاكرة وطنٍ مثقوبة لقد حشدت المليشيات الكهنوتية على تعز أكثر من أحد عشر لواءً ولم تنكسر، لكن الآن تكاد تُكسر إرادة الجرحى أمام جدار الإهمال، لا أمام العدو.
يبدو هؤلاء الجرحى اليوم كالعنقاء التي تنهض من الرماد لتعانق شمس الحرية من جديد، غير أن وجعهم يتضاعف حين يكتشفون أن لا أحد يسمعهم.
هم الذين أناروا الدرب في ظلام الحرب، واليوم يتساءلون: ألا يستحق من أشعل لك شمعةً وسط العتمة أن تمنحه بعضًا من نورها؟ إنها ليست منّةً، بل واجبٌ أخلاقي وإنساني قبل أن تكون مسؤولية قانونية.
لقد أسمعوا ونادوا وكتبوا واعتصموا، لكن الصدى يرتد إليهم كأنهم ينادون في فراغ بارد.
يبقى السؤال معلقًا في هواء المدينة التي لا تموت: أين العدالة التي حاربوا من أجلها؟ وأين الإنصاف الذي وعدوا به؟ وكما قال الشاعر العربي:
لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي، ولو أنك نفخت في نارٍ أضاءت ولكنك تنفخ في رماد.



