كتابات و اراء

أصبحنا لا ندري ماذا نكتب وماذا ننتقد… وطنٌ يُباع على الهواء.. ويُدافَع عنه بالأقلام المأجورة

محمد العتواني

الكتابة معركةٌ بلا جبهة، والناقد مقاتلٌ بلا خندق. لم نعد ندري على من نكتب، ولا لأيّ طرف نوجّه سهام الكلمة، فالحق تداخل حتى اختلطت ملامحه بالباطل، والفساد لبس أثواب الوطنية، والعمالة اتخذت لنفسها وجهاً من وجوه الحكمة المزيفة.

لم تُكسر أقلامنا، لكنّ المشهد امتلأ بالضجيج حتى غرق الصوت في طوفان النفاق. ما عاد الخطر في الرقابة، فهي شبه معدومة أصلاً، بل في جيوش الأقلام المأجورة التي تتزيّن بوشاح الوطن وهي تسرق روحه قطعةً قطعة.

صار المرتزق يكتب باسم الشرف، والعميل يتحدث عن الكرامة، والمنافق يوزّع شهادات الوطنية على هواه.

في كل زاويةٍ هناك منبر، وعلى كل شاشةٍ ناطق رسمي بلا صفة، ومحللٌ سياسي بلا وعي، وكاتبٌ مرتزق لا يفرّق بين القلم والضمير، يبيع الحقيقة كما يبيع الحبر، ويبرّر الانبطاح كأنه مبدأٌ مقدس.

تراهم يُطبلون للمجرم حتى يُخيَّل إليك أن الجرائم منجزات، ويُجمّلون وجوه الخونة حتى تبدو كأنها رموزٌ وطنية. إنهم لا يكتبون لتنوير العقول، بل لتخديرها. يخلطون بين الوطنية والعمالة، بين المبدأ والمصلحة.

يهاجمون الصادق لأنه يهدد أرزاقهم، ويصفون الأحرار بأنهم دعاة فوضى لأنهم يفضحون استقرارهم الوهمي.

القبح توزّع على الجميع بنسب متفاوتة، والخطأ صار يُعلن بفخر على شاشاتٍ تشتري الأكاذيب بالعملة الصعبة. لم نعد نبحث عن الحرية في الكتابة، فهي موجودة، بل عن الجدوى منها، نكتب والبلد غارق في متاهة الارتزاق والاصطفاف، لا ندري إن كانت الكلمة ستصلح شيئاً أم تُضاف إلى فوضى الضجيج.

ومع ذلك، سنكتب. لا لأننا نؤمن أن الكلمة ستغيّر هذا المستنقع فوراً، بل لأن الصمت صار تواطؤاً، ولأن بقايا الضمير تستحق أن تُدوّن قبل أن يبتلعها الطابور الطويل من المزيفين.

سنكتب رغم الطبول التي تغطي على الحقيقة، ورغم الأصوات التي تصيح بالأجرة. سنكتب لأن الحبر الشريف ما زال يقاوم، ولأن الكلمة، رغم ضيق ساحتها، تبقى آخر معقل للحق في هذا الزمن الذي يختلط فيه الوهم بالسلطة، والنفاق بالشرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى