
من يراقب المشهد في تعز اليوم، يدرك أن الحرب لم تعد تلك التي تُخاض على تخوم الجبهات مع الحوثيين، بل تحوّلت إلى معركة أعمق وأشد تعقيدًا تدور في صمت، داخل أروقة المدينة نفسها. هناك، في تلك التربة المليئة بالتاريخ والدم، تتقاطع مشاريع القوة، وتتسلل خيوط النفوذ من الساحل الغربي لتشبك قلب المدينة بأصابع لا تُرى، لكنها تُحرك المشهد برشاقة مريبة.
منذ برز اسم العميد طارق محمد عبدالله صالح وقواته في الساحل الغربي عام 2018، تغيرت معادلة النفوذ في تعز. لم تعد المسألة مسألة جبهات، بل مشروع تمدد محسوب، يتغذى على فراغ السلطة المحلية وانقسامها، ويتحرك بثقة تحت شعار “ملء الفراغ”. لكن الحقيقة، كما يهمس بها بعض الضباط في تعز، أن هذا “الفراغ” بات وسيلة لاختراق المشهد وبناء مركز نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي موازٍ لسلطة الدولة.
لعبة التمدد الهادئ
طارق لا يرفع شعارات صاخبة، ولا يعلن نوايا التوسع. هو يعمل بهدوء مَن يعرف طريقه جيدًا. في المخا والوازعية وموزع، تتشكل معسكرات حديثة بتجهيزات عالية، وتُنشأ وحدات نخبة بتدريب نوعي، ويُبنى نفوذ اقتصادي متصاعد من الميناء إلى الطرق التجارية.
بهدوء يشبه الزحف، يمدّ الرجل أذرعه عبر التحالفات، يفتح قنوات اتصال مع شيوخ، ويموّل شخصيات اجتماعية، ويمنح السلاح لمن يضمن ولاءه. هذه ليست حربًا عسكرية، بل معركة ناعمة على القرار، معركة تُدار من تحت الطاولة، لكنها تغيّر موازين القوى فوقها.
المال… سلاح النفوذ الأقوى
في تعز، لا يُطلق الرصاص فقط من البنادق، بل من المحافظ المالية أيضًا. ميناء المخا اليوم ليس مجرد مرفأ تجاري إنه شريان نفوذ يضخ المال والسيطرة.
الموارد التي تتدفق عبره لا تمر عبر سلطات تعز، بل تصب في حساب مشروع آخر، مشروع يمنح طارق استقلالية مالية تجعله في غنى عن الدولة، وتمنحه اليد العليا في لعبة التأثير.
السلطات المحلية، التي بالكاد تدير شؤونها اليومية، ترى في هذا الوضع خنقًا اقتصاديًا ممنهجًا فبينما تغرق المدينة في الفوضى والعجز، تتوسع الاستثمارات في الساحل تحت راية “القوات المشتركة”، وكأن هناك تعزَين: واحدة تتآكل في الداخل، وأخرى تنمو في الظل على الشاطئ.
تعز.. مدينة تتنازعها الولاءات
الريف الغربي للحجرية والوازعية أصبح ميدانًا لسباق الولاءات. الجميع يبحث عن الطرف الأقوى، لا عن الطرف الأحق المشايخ ينحازون لمن يدفع، والقيادات المحلية تنحرف نحو من يضمن الحماية. في هذا المشهد، تذوب سلطة الدولة، ويتحول الولاء إلى سلعة في مزاد النفوذ.
وفي قلب المدينة، تتكاثر المراكز الأمنية والعسكرية بتوجهات متناقضة، ما جعل الجبهات ضد الحوثي تتباطأ، والمدينة تتحول إلى متاهة من الفصائل تعز التي كانت” رمز الجمهورية، أصبحت اليوم نموذجًا مصغرًا لفشل الدولة وتنازع القرار.
محاولة اختراق الداخل
لا يخفي المراقبون أن تحركات طارق الأخيرة داخل المدينة تحمل بعدًا سياسيًا بحتًا التمويل الإعلامي، دعم الأصوات المعارضة للسلطات، استمالة بعض الشخصيات داخل محور تعز… كلها خطوات تهدف إلى تمهيد الوجود السياسي، لا الاكتفاء بالحضور العسكري في الأطراف.
قد يرى البعض أن هذه التحركات طبيعية في ظل فراغ القيادة داخل تعز، لكن الحقيقة أن هذا الفراغ هو الذي يفتح الباب أمام مشاريع نفوذ لا تُشبه الدولة، بل تتقمصها.
سلطة تائهة… ومشروع صاعد
السلطات في تعز تبدو اليوم كمن يطفو فوق أمواج متلاطمة بلا مجداف الانقسام الحزبي، تشتت القرار العسكري، غياب الدعم الحكومي، الفوضى الأمنية، كلها عوامل جعلت المحافظة حقل تجارب للمشاريع الخارجية.
النتيجة أن القوة الشرعية في المدينة صارت ضعيفة، تائهة بين الولاءات، فيما القوى المموّلة والمدعومة خارجيًا تزداد تنظيمًا وجرأة.
من الرابح؟ ومن الخاسر؟
طارق صالح يكسب على كل المستويات: نفوذ جغرافي يتوسع، حضور اقتصادي يتعمق، دعم إقليمي لا يتوقف.
أما سلطات تعز، فتكسب الانقسام وتخسر كل شيء آخر: الجبهة، القرار، ثقة الناس.
والخاسر الأكبر، كما هي العادة، هو تعز نفسها المدينة التي تحارب الجميع، ولا أحد يحارب لأجلها.
مدينة بلا قرار
تعز اليوم تقف عند مفترق حاسم: إما أن تتوحد تحت راية دولة واحدة بقرار مركزي واضح، أو تستسلم لتعدد مراكز القوة التي ستجعلها ساحة مفتوحة لحروب الوكالة.
المأساة لا تكمن في صعود طارق ولا في ضعف السلطات، بل في أن كليهما يتنازعان على جثة مدينة تنهشها الحرب والجوع والفوضى، بينما الحوثي يراقب المشهد من الجبال مبتسمًا.
تعز لا تحتاج مزيدًا من البنادق، بل تحتاج دولة
دولة تملك القرار لا تتسوله،
دولة تجمع لا تفرّق،
دولة تقول: هنا تعز، وليست ساحة لأحد.



