كتابات و اراء

بيان “المخطط الإرهابي” في التربة… عندما يتحول الإعلام العسكري إلى جبهة عبث!

محمد الصلاحي

بصفتي صحفي قرات الكثير عن الشئون العسكرية وكتب الإعلام العسكري والحربي ، وكنت على اطلاع دائم بمستجدات واخبار الجبهات منذ بداية انقلاب جماعة الحوثي وعلى تواصل مستمر مع قادة عسكريين وميدانيين، تابعت البيان الصادر باسم “المركز الإعلامي لمحور طور الباحة” عن إحباط “مخطط إرهابي” في مدينة التربة، ووجدت نفسي أمام نص لا يمت للعمل العسكري بصلة بقدر ما يشبه بياناً درامياً كُتب على عَجل لإشعال ضوضاء إعلامية أكثر من تحصين جبهة عسكرية.

في المفهوم العسكري، لا يدار الأمن بالبيانات الانفعالية، ولا تصنع البطولات عبر الفيسبوك.

الأمن علم، والمعلومة تُصان كذخيرة وعندما يبدأ الإعلام العسكري بسرد تفاصيل دقيقة عن دراجة مفخخة وسيارة مجهزة للتفجير واتصالات بين أمجد خالد وخلايا حوثية، فذلك لا يعني النجاح في الرصد، بل الفشل في حفظ سرية المعلومات، إن وجدت فعلاً.

العمل الاستخباراتي الحقيقي لا يفضح نفسه، ولا يعلن للعدو أنه كان يتنصت عليه ويعرف تحركاته، لأن أول درس في الاستخبارات يقول: المعلومة التي تُذاع تُحرق.

لكن في حالتنا، يبدو أن الإنجاز عند البعض هو كثرة العناوين لا دقة العمليات.

أما عن ربط المظاهرات المدنية بمخطط إرهابي، فذلك يعكس فوضى في التفكير العسكري والامني أكثر من أي شيء آخر.

في نظام الضبط والربط، يُفرَّق بين النشاط المدني والنشاط العدائي بوسائل تحليل الميدان، لا بالعواطف أو التوجيهات السياسية.

المواطن الذي خرج ليطالب بحق أو يرفع صوت احتجاج، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى عنصر تخريبي إلا في ذهن جهه تخشى الجماهير أكثر مما تخشى العدو.

البيان تحدث عن تنسيق الخلايا مع الطيران الحوثي وهذا من الناحية العملياتية جهل صريح.

لا توجد أي مؤشرات استخباراتية سابقة تربط الحوثي بتنظيمات محلية في التربة أو بالشمايتين بهذا الشكل المباشر.

مثل هذا الادعاء لا يمكن تمريره على عسكري مبتدئ فما بالك بميدان تعز الذي يعرفه الجميع بأنه شبكة معقدة من القوى، وليس حاضنة لأي تنسيق مباشر مع الحوثي.

ثم يأتي التضارب الفاضح: المحافظ نبيل شمسان نفسه نفى عقد أي اجتماع أو علمه بما ورد في البيان.

في التقاليد العسكرية، عندما يصدر بيان أمني بهذا الحجم دون علم القيادة المدنية والعسكرية العليا فذلك يعد تجاوزاً خطيراً، بل تمرداً مؤسسياً يستوجب المحاكمة العسكرية.

الانضباط في الهرمية القيادية ليس رفاهية، بل شرط للبقاء وعندما يبدأ الإعلام العسكري في إصدار بيانات من رأسه، فهذا يعني أن الانفلات لم يعد في الشارع، بل في داخل المؤسسة ذاتها.

الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن محور طور الباحة يعيش أزمة ثقة، لا أزمة معلومات.

فبدلاً من بناء منظومة ميدانية منضبطة، تحول منتسبيه الى قادة فيسبوكيين يحاولون تغطية ضعف الأداء العسكري بعبارات البطولة الإعلامية.

وفي نهاية المطاف، المواطن الذي يُراد تخويفه بهذه البيانات يدرك بلا شك أن الخطر الحقيقي ليس من المخططات الإرهابية، بل من سوء الإدارة العسكرية نفسها.

أي عسكري يعرف أن الميدان لا يحتمل الضجيج، وأن أي إجراء عسكري حقيقي يبدأ بالتحقق، لا برمي التهم والتبرير.

أما أن يتحول كل تجمع مدني إلى احتمال إرهابي فهذه ليست سياسة أمنية بل قناع سياسي يستخدم زّي الجيش.

وأنا أقولها بوضوح:

إذا أراد محور طور الباحة حماية التربة، علية أن يبدأ بإعادة هيكلة منظومته على أسس مهنية اولاً.

والا فليدع الخبز لخبازة واهل مكة ادرى بشعابها فمحور تعز العسكري له الاولوية بحماية كل جغرافيا المدينة والتكلم بإسمها.

وليتوقف عن تسريب “الخيال الأمني” عبر البيانات.

فـ الميدان لا يحترم الأكاذيب

والجبهة لا تدار بالبيانات

ومن يخلط بين “الإعلام الحربي” و”الدراما الحربية” سيخسر المعركتين معاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى