كتابات و اراء

“أكبر نكتة: حين يُطلق على مكان يُسمّى “الوطن” وهو ينضح بالمآسي والخيانات”

رأفت المليكي

هل تساءلتم يوماً عن المعنى الحقيقي لكلمة “وطن”؟ هل هو الأرض التي وُلدنا عليها، أم التي نعيش فيها، أم التي نُسجّى فيها جثاميننا، ونُدفن فيها؟ إن الإجابة قد تكون أبعد من ذلك، فهي تتجاوز التصورات السطحية، لتكشف عن مدى تعقيد مفهوم الانتماء والولاء لهذا الكيان الذي يُسمّى الوطن.

في واقعنا، يُمثل الوطن مادة للصراعات السياسية، وساحة لاحتقان الفساد والظلم، وبيت يُهان فيه الإنسان ويُهدر حقه. يقول السياسيون دائمًا: “سنضرب أعداء الوطن بيد من حديد”، لكنهم ينسون أن تلك اليد تُنهش جلد الشعب، وتطرده من منازله بلا رحمة، بينما ينهبون الثروات، ويشبعون جيوبهم على حساب المصلحة الوطنية.

وبين الشعارات والأقوال، يظل المواطن هو الضحية، يُردد في أعماقه: “نموت كي يحيا الوطن”، لكنه يموت تحت وطأة الاغتيالات، والقتل على يد من يُفترض بهم حماية الوطن، بينما يزيد الفاسدون ثرائهم، ويُسرق حلم البسطاء ومساعدات الفقراء، دون أن يرف لهم جفن.

تخيل أن يقول أحدهم: “نحيا كي يحيا الوطن”. تلك هي الحقيقة التي يغيب عنها الكثير، فالوطن لا يحيى بعدد القتلى ومعدلات الدم، وإنما بنبض حياة أفراده، بحبهم، ووعيهم، ووفائهم. إن التضحية لا تُجمع في كلمات على وسائل التواصل فقط، وإنما تتجسد في أفعال، وتضحيات حقيقية، من قبل من وضعوا أرواحهم على أكفهم.

وتحضر الآن أسئلة الواقع المرير: من باع الوطن؟ أم من دفع الثمن؟ لقد رأينا في ساحات الشهداء الأبطال، من تركوا ساقاً أو ذراعًا، أو تركوا أطفالاً بلا أب، من ضحوا بأرواحهم من أجل حرية الوطن. إن هؤلاء هم حماة الحمى الحقيقيون، الذين نذروا حياتهم للدفاع عنه، وهم يستحقون أن نخلد ذكراهم، ونستلهم بطولاتهم في بناء مستقبل أكثر عدلاً ونزاهة.

أما على أرض الواقع، فمقابل هؤلاء، هناك من ينعمون بامتيازات النهاية، يستحوذون على حياة كريمة، بينما يموت من لا يستحق الموت على أيدي من لا يستحقون الحياة. يقضي الوطن أيامه بين معركة وأخرى، وبين خونة يشترون ويبيعون، وأشقاء يقتتلون، بينما يبقى شعار الوطن لا يتعدى ورقة مكتوبة.

ولأن الوطن في قلب كلّ من يعاني، فإن بعضهم يطلق نداءات على الفقراء للدفاع عنه، وعندما تنتهي المعارك، يتقاسم البعض الغنائم، ويُوزع المناصب، متناسين أنه بيت للجميع، لا يمكن أن يُبنى إلا بالتكاتف، والعدل، والإصلاح.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تظل التربية على حب الوطن واحترام معلمي الأجيال، من أهم أسلحة مكافحة الفساد، إذ إن بناء مستقبل الوطن يبدأ من الداخل، من خلال زرع قيم الوفاء والانتماء في نفوس أبنائنا، ورفض كل أشكال الظلم والخيانة.

وفي النهاية، تحكى الحكمة أن “الشجاعة ليست أن لا نخاف، وإنما أن نتصدى للخوف بقلب قوي”، وهو ما يتطلب من كل مواطن أن يدرك أن الإقدام على إصلاح الوطن، يبدأ بمحاربة المفسدين، ومعاقبتهم، وتحقيق العدالة، والكف عن المساومة على المبادئ.

فهل يُعقل أن يبقى الوطن مجرد نكتة، يُضحك فيه من يُضحك، ويبكي من يبكي؟ أم أنه من واجبنا أن نستعيد كرامتنا، ونحمي وطننا، قبل أن يُصبح ذكرى تتندر فيها الأجيال القادمة على زمن كان فيه الوطن مجرد حلم أضاعته الخيانات والتخاذل؟

لقد آن الأوان، لأن نؤمن أن الوطن الحقيقي هو الذي يبقى شامخًا بكرامة أبنائه، لا بالرتب والألقاب، وإنما بالوفاء، والاستقامة، والولاء الحقيقي، الذي يتجاوز المعاني السطحية، ويُثبت أن حب الوطن ليست مجرد كلمات، وإنما هو فعل وانتماء دائمٌ لا يُساوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى