
سؤالٌ باغتني ذات مساءٍ خريفي، حين جلسنا أنا وأحد الزملاء نحتسي الشاي في أحدى كافيهات المدينة القديمة قلت له يومها: “ليس هناك أنبل من أن يموت الإنسان في سبيل مهنته أو غايته، أن يذوب في ما يؤمن به حتى آخر قطرة من دمه.” كان الجواب حينها مثالياً، منمقاً، لكن الحقيقة أنني لم أكن قد واجهت الموت وجهاً لوجه، لم أكن قد رأيت ملامحه وهي تنعكس على وجوه من كانوا قبل لحظاتٍ يضحكون.
ثم جاء ذلك اليوم. حادثٌ مروريٌّ أليم، أودى بحياة طالبين كانا في طريقهما إلى المحاضرة يحملان دفاتر أحلامهما، وأقلام الطموح، وربما شيئاً من القهوة الصباحية.
رأيت صور الحادث وكأنها مرايا تعكس هشاشة الحياة تخيلت الموقف بكل تجلياته تخيلتهم وهم يتشبثون بالحياة يضحكون ويمرحون على متن دراجتهم الناريه ليس في حسبانهم الموت وفجأة يجدون أنفسهم ملقيون على رصيف الشارع مضرجون بدمائهم في مشهدٍ تقطر القلوب دماً من هوله.
وجدتني أسألُ نفسي هل يشعر الإنسان بلحظة موته؟ هل يمر شريط حياته أمام عينيه كما تقول الروايات؟ هل حاول أحدهما أن يصرخ؟ وهل سمعهما أحد؟ لكنني في لحظة استدراك تذكرتُ بأنه الموت لا يفرق بين ناضجٍ وغض، بين صغير ولا كبير.
أدركت أن الموت يحيط بنا، يتربص بنا في الزوايا، في الطرقات، في اللحظات التي نظنها آمنة وتعلمت من هذا الشعور أنه يجب علينا أن نعيش كل لحظة كما لو كانت الأخيرة، أن نحب بصدق، ونسعى بجد، ونتعلم بشغف، لأننا لا نعلم متى ينتهي الدرس.



