كتابات و اراء

قطار الحديدة.. سكة حديد على رصيف الوهم

محمد الصلاحي

في اليمن، حتى الأوهام تُعلن كمشاريع، لا عجب أن نسمع اليوم عن “القطار الاستراتيجي في الحديدة” الذي سيكلف 150 مليون دولار ليمتد 99 كيلومتراً بين الصليف وباجل، وكأننا في زمن الازدهار ولسنا في بلدٍ بالكاد يجد طريقاً صالحاً لعبور شاحنة ملح من دون أن تبتلعها حفرة.

الحوثيون يتحدثون بثقة عن المشروع، كما لو أن تهامة بحاجة إلى قطار قبل أن تحصل على ماء نظيف أو طريق معبد أو مستشفى لا يموت فيه المريض بانتظار الطبيب.

في تهامة الناس لا يحتاجون وقتاً طويلاً لاستيعاب الخبر، لأنهم يعرفون المقصود من وراء مثل هذه الإعلانات، ضحكوا، وسخروا، ثم عادوا إلى يومهم. فهذه ليست أول مرة يسمعون فيها عن “مشروع استراتيجي” يبدأ بخطاب وينتهي بخبر منسي في نشرة التاسعة لاحدى قنوات الحوثي.

الناس هناك يملكون حساً ساخراً متجذراً، يعرفون أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الحديد، بل من الخبز، ولا تُبنى بالوعود، بل بالجهد الصادق أحد أبناء الضحي كتب على فيسبوك: “احنا ما قدرنا نحافظ على طريق باجل – الحديدة من الحفر، تجونا بسكة حديد؟”، وآخر رد عليه: “القطار كهربائي والا يمشي بالفحم الحجري؟”.

ما يثير السخرية أكثر أن المشروع يوصف رسمياً بأنه لتخفيف تكلفة النقل، أي نقل هذا؟ لا صادرات ولا واردات تبرر 150 مليون دولار من أجل سكة بين الصليف وباجل الطريق شبه خالية، والميناء بالكاد يعمل، والمزارع يعيش بالكاد.

يبدو أن القطار الوحيد الذي يسير فعلاً هو قطار الفساد، يحمل على ظهره كل المشاريع الوهمية التي تُعلن لتلميع صورة جماعة فقدت بريقها ولم يبقى لها سوى العناوين الفخمة.

القطار في ذهن الحوثيين ليس وسيلة نقل، بل وسيلة دعاية يريدون من الناس أن يصدقوا أنهم دولة، أن هناك رؤية وخططاً واستثمارات بينما الحقيقة أن لا شيء يتحرك إلا البيانات الرسمية المنمقة بالزيف والمغالطات.

لا كهرباء، لا رواتب، لا بنية تحتية، فقط مؤتمرات صحفية تبيع الحلم كما يباع الوهم في سوق السياسة. هذه 150 مليون دولار، لو وجهت بصدق، لكانت كفيلة بإحياء عشرات المدارس والمستشفيات والمشاريع الصغيرة في تهامة لكنها ستنتهي كما انتهت قبلها مليارات – في جيوب “المجاهدين الاقتصاديين” الذين تخصصوا في تحويل التنمية إلى تجارة ربحية.

التهاميون لا يغضبون كثيراً من مثل هذه الأخبار، لأنهم اكتشفوا مبكراً أن الغضب لا يجدي في بلدٍ يتغذى على العبث يضحكون، والسخرية صارت درعهم الوحيدة ضد القهر.

“قالوا القطار بيمشي من الصليف، بس متى يوصل؟” يسأل أحدهم. فيجيبه آخر: “يوصل لما تشتغل الكهرباء في الزيدية!” الضحك هنا ليس مجرد نكتة إنه طريقة للبقاء، لتذكير الجميع أن وعي الناس أبقى من شعارات جماعة تتقن فن الكذب والخداع.

في النهاية، لن يسير القطار على سكك الحديد، بل على سكك الخيال سيبقى مشروعاً في شاشة التلفزيون، وصورة على ورق، ورقماً في ميزانية غامضة.

أما تهامة فستبقى تنتظر قطاراً آخر، لا يحمل الحديد ولا الإسمنت، بل يحمل كرامة الإنسان وحتى ذلك الحين، سيظل “قطار الحديدة” يسافر فقط في اتجاهٍ واحد نحو الفساد، بلا محطة وصول، وبلا تذكرة عودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى