
في كل مرة يظهر فيها أحد القادة العسكريين عبر الشاشات، متحدثًا بنبرةٍ رسميةٍ رصينة، مرددًا عبارته الشهيرة: “نعمل على قدراتنا العسكرية من أجل استعادة الدولة”، يتنفس الناس بآذانٍ مثقلةٍ بالملل، وكأنهم يستمعون إلى نسخةٍ مكررةٍ من خطابٍ سمعوه مئات المرات من قبل. كلماتٌ ثقيلةٌ تُقال، تُسجّل، تُنشر، لكنها لا تُترجم إلى أي أثرٍ ملموس على أرض الواقع.
ما يجعل الأمر مؤلمًا أكثر من أي وقتٍ مضى، أن هذه التصريحات لم تعد تُقنع أحدًا فلو كانت النوايا حقيقية، والجهود صادقة، لكان الوطن اليوم مختلفًا، ولكانت المدن قد استعادت عافيتها منذ سنوات، لكن ما نراه لا يتجاوز حدود البيانات الإعلامية والوعود المتكررة التي تملأ الشاشات ولا تملأ الأرض.
أصبح المواطن البسيط يدرك أن تلك الجمل التي تُلقى من خلف المنابر ليست إلا محاولاتٍ للحفاظ على المناصب، أو لتسكين الغضب الشعبي. فحين يتحدث المسؤول عن “تحرير الوطن”، بينما الطرق لا تزال مدمرة، والمدارس مغلقة، والمستشفيات بلا دواء، فإن الهوة بين القول والفعل تتسع إلى درجةٍ مهينةٍ للعقل والكرامة معًا.
تعب الناس من سماع الجمل المحفوظة والعبارات المنمقة. يريدون فعلًا حقيقيًا يلمسونه بأعينهم، لا وعودًا جديدة تُضاف إلى أرشيف الخيبات. يريدون أن يروا طريقًا يُعبد، مدرسة تُرمم، مستشفى يُعاد تشغيله، لا أن يسمعوا مجددًا أن “الاستعدادات جارية” منذ عقدٍ من الزمن.
إن أخطر ما يحدث اليوم هو أن الخطاب الرسمي أصبح أداةً لتجميل الفشل، بدل أن يكون وسيلةً لشرح الحقيقة. فكل تصريحٍ بلا دليلٍ عمليٍّ هو خيانةٌ للواقع. وكل وعدٍ لا يتبعه إنجازٌ هو خذلانٌ جديدٌ لشعبٍ أنهكته الأكاذيب.
لقد آن الأوان أن تُقاس الأقوال بالأفعال، وأن تُحاسب القيادات على ما تحققه لا على ما تقوله. فالوطن لا يُبنى بالكلمات، ولا يُستعاد بالشعارات، بل بالعمل الميداني، والإرادة الصادقة، والشفافية أمام الناس.
نعم، الشعب لم يعد يطلب المستحيل، فقط يريد أن يرى فرقًا بين الأمس واليوم، أن يشعر أن هناك من يعمل لأجله لا لمصلحته، وأن الخطابات العسكرية لم تعد غطاءً للجمود والفشل.
أما أولئك الذين يعتلون المنصات بعباراتٍ محفوظةٍ عن “استعادة الدولة”، فهم يعلمون تمامًا أن الناس لم يعودوا يصدقون، لكنهم يواصلون ترديدها… فقط لحماية كراسيهم.
كفى وعودًا كاذبة.
فالوطن لا ينتظر بيانًا جديدًا، بل ينتظر فعلًا صادقًا ينهض به من ركام الانتظار الطويل.



