كتابات و اراء

الرئيس العليمي في ميزان اللحظة اليمنية

عبدالملك الاغبري

في هذا المشهد المكدّس بالخسارات، يمكن القول أن الرئيس، أي رئيسٍ يحكم واقعًا يشبه وضع بلادنا، لهو أشبه بمن يُمسك جمرة الدولة بكفٍ عارية..

الرئيس العليمي، هو تجسيد لـ اللحظة اليمنية الحرجة التي يتقاطع فيها التاريخ والجغرافيا والسياسة مع المصير، مصير البلاد، والناس، والحياة..

رجل خرج من رحم تعز، مدينة البُركان السياسي والوعي المُقاوم، الرافض قطعًا للكاهن، للخرافة، للإنقسام، للتبعية، للتجزأة..

جاء إلى السلطة كضرورة وجودية لشعبٍ يتأرجح على حافة الإنهيار الاقتصادي، النفسي، والإجتماعي، ليمارس السياسة كفلسفة إدارة في واقع مُتفتت ومنقسم على نفسه، يتقن فنّ الإمساك بخيوط التوازن بين قوى متباينة، ومتجاذبة حدّ التناقض. هو أشبه بمهندس وجود، يحاول أن يعيد ترتيب ما تبقى من بناء الدولة، بمعادلات دقيقة بين الولاءات والنجاة.

بالأمس اجتمع الرئيس العليمي، مع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي ليخرج معهم بتوافقٍ، سبقه العديد من التجاذبات والتباينات، وهذا مؤشر كبير على أنه يمسك بخيوط التوزان، رغم التباينات كي يخرج الجميع من عنق الانزلاقات التي تقود حتمًا إلى الفوضى.

الرئيس العليمي، يصارع اليوم جماعة انقلابية تمتح شرعيتها من فوضى الإلهام الطائفي، ويُصارع أيضًا ذاكرة شعبٍ خذلته البلاد مرارًا منذُ أكثر من عشر سنوات، ليمنح للممكن مساحة يتنفس فيها، ليجد المواطن اليمني المتعب نافذة يرى منها أنه لم يعد منفيًا في وطنه.

قبل انقلاب الكهنة على مؤسسات الدولة عام 2014م، قرأتُ مقالًا عن الرئيس العليمي عندما كان مديرًا لأمن تعز. لا أذكر اسم كاتبه، لكن ما رواه ظل محفورًا في ذاكرتي:

حَدَث أن عاد أحد المغتربين من السعودية، فتقطع له بعض المنفلتين، وقتلوه ونهبوا أمواله..

شكلت تلك الحادثة لحظة فارقة في تاريخ مدينة تعز واليمن كلها، وجه الرئيس العليمي “مدير أمن تعز حينها” بسرعة القبض على الجناة، وقامت الدنيا ولم تقعد، وكانت تعز في حالة استنفار عام، واستنفر لهذه الحادثة، اليمن كلها،

لم يكن مقبولًا في زمن العليمي أن تُرتكب جريمة كهذه، أو ما دونها في تعز، ولا أن تمر مرور الكرام.

في ساعات قليلة فقط، قُبض على الجناة، وحُوّلوا إلى القضاء، ثم صدر الحكم بإعدامهم بعد استكمال اجراءات المحاكمة، لم يهجع له بال حتى نُفّذ القصاص في سائلة صِينة، وظلت جثثهم مُعلقة هناك لمدة ثلاثة أيام وكانوا عبرة للبلاد كلها.

كان هذا عام 1996م، تقريبًا..

هذا هو الرئيس العليمي الذي يغفل البعض تاريخه، أو لا يريد بعضهم أن يعرفوا حتى..

لا نُعفي أحدًا من المسؤولية اليوم، إزاء ما يحدث لتعز، كل تعز، بمديرياتها، بقراها، وسهولها والجبال. ولكن لا نَنسى التاريخ أيضًا.

اتركوا الرجل يعمل، ثم حاسبوه على النتائج.. فلا يصح أن نطالبه اليوم بإخراج البلاد من مستنقعها، وفي نفس الوقت نقف ضده وهو يحاول حمل عبء البلاد على كاهله.

الرئيس العليمي، وإن اختلفت حوله الآراء اليوم، إلا أن من يعرف سيرته الأمنية والسياسية عن قرب، يدرك أنه ليس طارئًا على الدولة، ولا عابر طريق في لحظة فراغ، هو ابن الدولة، رجلٌ تشكل في ميادين الأمن والسياسة، وفي دواليب الحكم، عبر أكثر من نصف قرنٍ من الزمان.

هذا الرجل تجاوز كل لحظات السقوط في وحل التبعية، لكل ما ليس في صالح الوطن والإنسان، وبقي واقفًا بلغة الدولة، منحازًا،للعامل، للفلاح، للإنسان اليمني ككل، وللوطن وقضاياه.

اليوم يقف الرئيس العليمي على رأس الهرم، غير أنه ورث بلدًا ممزقًا، بجيش مشرذم، ومؤسسات ضعيفة، واقتصاد هش، ومجتمع مثقل بالحرب.. لكنه يعرف أن طريق الخلاص طويل، وأن الأفعال لا تُصوَّر خلف عدسة الكاميرا، وأعتقد أن هذه مشكلته الوحيدة، أنه لم يتخذ من الإعلام ما يصور توجهاته التي تهدف إلى لملمة شتات البلاد ومؤسسات الدولة عبر الدبلوماسية وغيرها التي أعادت الإعتبار للبلاد واقتصادها ولمؤسساتها التي كادت أن تضيع في مهب التجاذبات هنا وهناك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى