
يبدو أن بعض الأصوات لا تولد لتغنّي فحسب، بل لتعيد تعريف معنى الوجود.
وصوت علي عنبة واحد من تلك الأصوات النادرة التي لا تمر في الأذن، بل تمشي في الروح، وتترك في القلب أثراً يشبه الوميض حين يخترق العتمة.
كنت أسمعه قديماً كما يسمع الناس ضجيج الحياة اليومية: بلا انتباه، بلا وعي، بلا امتنان.
لم أكن أدرك أن هذا الصوت الشعبي البسيط كان يخبئ في طبقاته فلسفة كاملة عن الإنسان اليمني عن حنينه وصبره وعن طهارة صوته الداخلي.
لكن الزمان وحده يعلمنا الإصغاء، وحين نكبر قليلاً، نكتشف أن بعض الأصوات كانت تحاول منذ زمن أن تقول لنا شيئاً عن أنفسنا.
ذات يوم استمعت لأغنية (يقولون خلي حب… غيري وخلاني) لامست خلجات قلبي وثارت براكين ذكرياتي كانت بصوت صديقي رفيق العربي الذي غناها، بمرونه، وعفوية، وبساطة لا تكلف ولا تصنع حتى اصبحت روتين كلما التقينا نفتتح مقيلنا بها وكأن لسان الحال يقول “ارحنا بها يا رفيق”
كان علي عنبة يغني لا من أجل الشهرة، بل من أجل اللحظة.
يغني كما يتنفس، وكأن الصوت عنده وسيلة نجاة، أو صلاة يومية بصيغة اللحن.
في نبرته حضورٌ عجيب، وكأنه يذكّرك بأن الفن ليس رفاهية، بل حاجة روحية تشبه الماء حين يعثر على عطشٍ مزمن.
لم يكن يغنّي عن الحب والفرح فقط، بل عن الجوهر — عن الإنسان الذي يسعى أن يجد نفسه بين الأصوات.
كان يؤمن أن الأغنية الشعبية ليست فنّ الطبقات الدنيا كما يظن بعض المتعجرفين، بل فنّ البسطاء الذين فهموا الحياة بعمق دون أن يقرأوا فلسفةً واحدة.
في بساطته كان عمقٌ، وفي عفويته كان نظام، وفي ضحكته كان وجع، وفي نبرته الحادة كانت حكمةُ قرونٍ من الحكايات اليمنية.
حين تستمع إليه اليوم، لا تسمع مغنيًا؛ تسمع ذاكرة وطنٍ تغنّي عن نفسها.
تسمع البيوت الطينية وهي تتنفس، والشوارع القديمة وهي تبتسم، والناس وهم يعيشون على إيقاع الكفّ والدفّ والرضا.
رحل علي عنبة، لكن الفن الحقيقي لا يموت؛
هو يتحوّل إلى اهتزازٍ في الوعي الجمعي، إلى صوتٍ نسمعه في داخلنا حين نحتاج أن نتذكّر من نحن.
رحمه الله.
ذلك الفنان الذي لم يكن يبحث عن الخلود، فخلدته البساطة.
الذي لم يسعى إلى الفلسفة، فصار هو الفلسفة.
الذي غنى كما تغني الأرواح حين تكتشف معنى الحياة.



