
في زمنٍ صار فيه الشعار أغلى من الإنسان، وصار الصراخ سياسةً تُدر دخلاً، و”المقاومة” مجرد ديكورٍ في استوديوهات الملالي… يظهر “شيعة الشوارع” كأغرب ظاهرةٍ سياسية في القرن اليمني الحديث.
في كل مدينة يمنية، هناك صدى لصوتٍ مبحوح يصرخ في الميكروفون: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود…
لكن حين ترفع رأسك وتبحث عن “الموت” الذي يتحدث عنه، تجده يتجول بين الأزقة اليمنية فقط، يصطاد أطفال المدارس، لا جنود الاحتلال.
أولئك الذين تم وصفهم سخريةً بـ“شيعة الشوارع” — تيمناً ببلاغة تناسب ضجيجهم — هم نموذج مذهل في صناعة الوهم.
يتحدثون عن فلسطين كما يتحدث تاجر خردةٍ عن الفضاء: حماس دون معرفة، وضجيج دون معنى، وشعار يُرفع فقط لتبرير الجريمة التالية في تعز أو مأرب أو البيضاء.
منذ أيام، والعالم يتحدث عن غزة، يداً تمتد من مصر، وصوتاً من قطر، وموقفاً من السعودية خطوات عملية، دبلوماسية راقية، تحرك ملفات الإغاثة وتفتح المعابر وتُعيد الأمل.
وفي الطرف الآخر، عند جماعة “أنصار الصرخة”، لا ترى سوى مسيرات “الموت”، واحتفالات ليلية تُنفق فيها أموال الفقراء تحت يافطة “نصرة فلسطين”، بينما لا تصل منها ولا نصف ريال إلى فلسطين.
هم يقيمون مهرجانات كبرى، يتبادلون فيها الشعارات كما يتبادل اللصوص الغنائم في كل خطاب، يعلن أحدهم “الاستعداد لإرسال المقاتلين إلى غزة”، ثم يصمت حين يُسأل: “ومتى سترسل الرواتب للموظفين أولاً؟”
يصرخون “القدس أقرب”، لكن على خرائطهم، يبدو أن أقرب طريقٍ إليها يمر عبر الحوبان والتربة والحديدة، لا عبر النقب وغزة.
هؤلاء ليسوا مقاومين، هؤلاء موظفو كراهية.
رواتبهم تُصرف من طهران، وأوامرهم تأتي من قم، ودروسهم في “الولاء” تُلقَّن لهم بلغةٍ لا يفهمها الشعب الذي يحكمونه.
هم لا يريدون تحرير القدس، بل يريدون احتلال العقول.
أجمل ما في مشهد غزة اليوم أن الفلسطينيين صاروا يعرفون جيداً من يقف معهم، ومن يقف فوقهم يخطب.
غزة تشكر مصر وقطر والسعودية، لأنها رأت الفعل، لا السلاح الخشبي ولا الصراخ المسرحي.
أما “شيعة الشوارع” في اليمن، فهم في مأزقٍ وجودي: غزة لا تشكرهم، وطهران لا تثق فيهم، واليمنيون يكرهونهم.
فصاروا مثل ممثلٍ نسي نصه على المسرح، يصرخ بأي شيء فقط ليخفي فراغه.
والأطرف من ذلك أن إعلامهم الرسمي يربط كل نكبة في اليمن بإسرائيل!
انقطاع الكهرباء؟ مؤامرة صهيونية.
انهيار العملة؟ تدخل إسرائيلي.
سقوط صاروخ في ذمار؟ جاسوس للموساد.
يا جماعة الخير، لو إسرائيل فعلاً وراء كل هذا، لكانت أذكى من أن تترككم تحكمون!
الحوثي لا يقاوم إسرائيل، يقاوم الفكرة البسيطة التي تقول: “عيش بكرامة.”
هو يقاتل كل ما يشبه الدولة، وكل من يحلم بوطن طبيعي، لأن ذلك يُفقده مبرر وجوده.
هو يقاتل التنمية كما يقاتل الحقيقة، لأن كليهما خطر على مشروعه الكهنوتي الذي يعيش على الجهل والخوف.
هم لا يريدون أن تتحرر القدس، بل أن تبقى اليمن رهينة لشعاراتهم الخشبية.
هم لا يريدون نصرة الفلسطيني، بل يريدون استخدامه كورقةٍ في خطابٍ مملٍ كل جمعة.
القدس عندهم ليست قبلةً للحرية، بل ستاراً للعبودية.
وفي نهاية المشهد، ستظل الحقيقة بسيطة كضحكة طفلٍ في مخيم:
من يحب فلسطين، يطعم الجائع ويداوي الجريح ويصمت حين لا يملك حلاً.
أما من يتحدث باسمها ليقتل أخاه، فليس إلا تاجراً بالقضية، ولصاً يبيع الوهم على قارعة الطريق.
“شيعة الشوارع” سيستمرون في الصراخ، لأنهم لا يعرفون لغة أخرى.
لكن الزمن تغير الناس لم تعد تبتلع الشعارات، ولم تعد تصدق من يرفع راية القدس بينما يده غارقة في دماء اليمنيين.
سيأتي يوم، حين يكتشف هؤلاء أن “الموت لأمريكا” لم يمنحهم حياة، وأن “اللعنة على إسرائيل” لم تمنحهم خبزاً، وأن “الصرخة” لم تُسقط إلا هيبة الإنسان.
حينها فقط، سيدركون أن المقاومة الحقيقية لا تبدأ من فوهة بندقية، بل من ضميرٍ نظيف لا يُباع بالأموال الإيرانية.



