كتابات و اراء

“ما قيمة الوطن… إن لم يعد الوطن؟”

يوسف اليامي

ما قيمة الوطن…

عندما يصبح الرحيل منه حلماً يُراود الجميع؟

عندما يتحوّل البيت إلى سجنٍ، والشوارع إلى ذاكرةٍ مثقوبةٍ بالوجع؟

حين لا يعود للسماء لونها الذي عرفناه، ولا للتراب رائحته التي كنا نحبها؟

حين يصبح الأمان عملةً نادرة، والابتسامة جريمةً تُرتكب في وضح النهار؟

ما قيمة الوطن إذا كنا نعيش فيه غرباء؟

نخاف من الكلام، ونخاف من الصمت،

نخاف من الغد، ومن الذي يليه،

ننام على وجعٍ ونصحو على آخر،

ونكتب حنيننا على جدرانٍ لا تقرأ،

وأحلامنا تُدفن في زوايا الذاكرة قبل أن تولد.

الوطن الذي كنا نحلم به، أصبح اليوم مجرد خيالٍ نطارده ولا نصل إليه،

أصبح أغنية حزينة تتكرر في أذهاننا كلما رأينا طائرة تقلع،

كلما سمعنا أحدهم يقول “سأسافر”،

وكلما رأينا وجهاً مبتسماً لأنه “رحل أخيراً”.

ما قيمة الوطن إن كان الوطن لا يحتوينا؟

إن كان يعاقبنا لأننا نحبه بطريقتنا؟

إن كان يسلب منا حتى القدرة على الحلم؟

نحب ترابه، ونشتاق له،

لكننا نختنق حين نعيش فيه،

نحن الذين نحمل الوطن في قلوبنا كجرحٍ مفتوح،

ننزف كلما حاولنا نسيانه،

ونتألم كلما حاولنا البقاء فيه.

ما أصعب أن يصبح الهروب خلاصاً،

وأن يتحوّل الحنين إلى سجنٍ جديد،

أن تعيش بين خيارين كلاهما وجع:

أن تبقى فتموت ببطء،

أو ترحل فتعيش غريباً للأبد.

الوطن لم يعد كما كان،

صار مكاناً يطرد أبناءه بالصمت،

ويُطفئ فيهم شعلة الانتماء شيئاً فشيئاً،

حتى باتت كلمة “الوطن” تُوجع أكثر مما تُطمئن،

تذكّرنا بكل من رحل، بكل من كسرته الحياة هنا،

بكل من دفن أحلامه تحت رماد الخيبة.

نحن لا نكره أوطاننا،

لكننا تعبنا من حبٍ لا يُبادل،

من انتظارٍ بلا نهاية،

من شعورٍ دائمٍ بأننا لا ننتمي،

أننا مجرد عابرين في أرضٍ كانت يومًا لنا.

الوطن ليس فقط أرضًا…

الوطن هو شعور بالأمان، بالكرامة، بالدفء،

فإن غابت هذه، غاب معنى الوطن،

وصار الرحيل هو النجاة الوحيدة…

وصار البعيد رغم قسوته، أرحم من القرب الموجع.

فما قيمة الوطن إذًا؟

إذا صار حضنه بارداً، وصوته غريباً، ووجهه لا نعرفه؟

ما قيمته إن كنا نغادره بأجسادنا،

لكننا نحمله معنا كحجرٍ ثقيلٍ في صدورنا…

نحاول نسيانه، فنشتاق إليه أكثر،

ونحاول العودة، فيخذلنا من جديد.

الوطن… لم يمت، لكنه مريض،

وأبناؤه بين من ينتظر شفاؤه،

ومن رحل قبل أن يراه يتعافى…

وما أقسى أن يكون حب الوطن هو الداء…

والوطن نفسه… هو السبب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى