
لم يكن اغتيال إفتِهان المشهري مجرد جريمة عابرة في سجل مدينة تعز المثقل بالدم والخذلان ، بل كان صفعة قاسية أعادت للواجهة سؤالاً أكبر ، لماذا يظل القتل أسهل الحلول في مدينة تبحث عن الحياة؟ إفتِهان لم تكن مسؤولة تقليدية تجلس خلف مكتبها ، بل امرأة اختارت أن تواجه الفوضى والفساد والضغوط اليومية ، في مؤسسة تتعامل مع واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالناس (النظافة).
كانت تؤمن أن الشوارع مهما تراكمت فيها القمامة يمكن أن تبقى قابلة للحياة إذا وُجد من يعمل بإخلاص، لهذا ارتبط اسمها بوجدان البسطاء الذين رأوا فيها شخصية نادرة في زمن الانكسار ، اغتيالها لم يقتل شخصاً وحسب ، بل قتل صورة امرأة كسرت احتكار الرجال للمواقع الحساسة ، وأثبتت أن القدرة على الإدارة ليست حكراً على أحد ، لكن الرصاص كان أقوى من أحلامها ومن صلابتها.
الشارع التعزي صُدم ، الموظفون الذين عملوا معها ألقوا القمامة في الطرقات ، في مشهد بدا وكأنه احتجاج يختصر كل شيء ، المدينة صارت مكباً أكبر من أن تنظفه امرأة واحدة ، وأن يد الفوضى أطول من يد الدولة ، الغضب الذي اجتاح الناس لم يكن دفاعاً عن مسؤول حكومي ، بل عن رمز إنساني أحسوا أنه يمثلهم.
في المقابل ، عجز السلطات عن القبض على القتلة ، حتى بعد مرور يومين على الجريمة عمق من مرارة الشارع ، لم يعد السؤال فقط ، من قتل المشهري؟ بل ، هل ستبقى تعز مدينة يُقتل فيها المخلصون ، بينما يسرح القتلة بلا حساب؟ غياب العدالة هنا لا يعني إفلات مجرم من العقاب فقط ، بل تكريس شعور جماعي بأن حياة الناس رخيصة ، وأن كل من يحاول أن يخدم ، أو يتحدى العبث ، سيكون هدفاً لرصاص لا يعرف الرحمة.
أفتهان كانت امرأة عادية ، لكنها تحولت بجرأتها إلى استثناء ، رحيلها يفتح الباب لأسئلة أكبر من حجمها الفردي ، هل أراد قاتلوها إسكات صوت امرأة أثبتت أن النزاهة ممكنة وسط الفساد؟ أم أن اغتيالها مجرد حلقة في مسلسل طويل يريد أن يزرع اليأس في مجتمع فقد الكثير؟ ما يعرفه الناس جيدًا أن موتها لم يكن خسارة لأسرة أو لمؤسسة فحسب ، بل خسارة لمدينة بأكملها كانت تبحث في وجودها عن بصيص أمل.
في النهاية ، تبقى الجريمة أكبر من شخص ، وأكبر من منصب ، هي ضربة قاسية لمدينة أنهكتها الحروب لكنها لم تنكسر بعد ، ومع كل رصاصة تستهدف المخلصين ، يزداد يقين الناس أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط مع السلاح ، بل مع ثقافة الاستسهال في إزهاق الأرواح ، ومع غياب الدولة التي كان يفترض أن تكون هي الحارس الأخير لكرامة الإنسان.



