كتابات و اراء

انهيار الأخلاق الوجه الأخطر لأزمة تعز

قيس المعافري

حين سألت أنديرا غاندي والدها عن الحرب أجابها بعبارة تختصر مسار الانهيار في الحرب ينهار التعليم والاقتصاد وثم تنهار الأخلاق وحين تنهار الأخلاق تصبح الحياة مستحيلة هذه المقولة ليست مجرد حكمة تاريخية بل هي وصف دقيق لما تعيشه مدينة تعز اليوم.

فقد أنهكت الحرب المستمرة منذ سنوات هذه المدينة التي كانت تُعرف بأنها عاصمة الثقافة والعلم في اليمن تعطلت المدارس والجامعات وضاع جيل كامل بين النزوح والفقر والانشغال بتأمين لقمة العيش لم يعد التعليم أولوية في ظل قصف ودمار وحصار فانقطع آلاف الأطفال عن مقاعد الدراسة ليجدوا أنفسهم في أسواق العمل الهشة أو في صفوف المليشيات.

ثم جاء الانهيار الاقتصادي ليضاعف المعاناة تعز التي كانت تعج بالحركة التجارية أصبحت اليوم غارقة في أزمات معيشية خانقة حيث تضاعفت الأسعار وتقلصت فرص العمل وأثقلت الأعباء المعيشية كاهل الأسر لم يعد بإمكان الناس تأمين الأساسيات وتحول الفقر إلى ملامح يومية في وجوه المواطنين.

لكن الأخطر من كل ذلك ليس الجوع ولا الفقر بل الانهيار الأخلاقي الذي أخذ يتمدد في جسد المدينة فالعصابات المسلحة التي تحتمي في الجبهات القريبة من الحوثيين صارت تُمارس النهب والابتزاز وتستغل غياب الدولة لتفرض سطوتها على الناس الأسلحة الثقيلة والخفيفة التي كان يفترض أن تكون بيد الجيش للدفاع عن الوطن تحولت إلى أدوات ترهيب في يد الخارجين عن القانون.

لقد صار القتل بلا عقاب والمجرم ينجو بحماية سلاحه أو علاقاته أُهينت كرامة الناس في وضح النهار وغابت سلطة الأمن بل وتورط بعض قادته في تغطية الانتهاكات هنا تحولت تعز من مدينة القانون والوعي إلى غابة يتسيّدها الأقوى لا الأعدل.

إن انهيار التعليم والاقتصاد مؤلم لكنه يظل قابلاً للتدارك بجهود التنمية والدعم والإصلاح أما انهيار الأخلاق فهو الأخطر لأنه يعني تفكك المجتمع من الداخل وضياع الثقة بين الناس وانتشار ثقافة البقاء للأقوى على حساب العدالة والقانون في مثل هذا الواقع لا تعود الحياة ممكنة مهما توفرت مقومات العيش المادي.

اليوم تحتاج تعز قبل أي شيء إلى إعادة الاعتبار للقانون وتفعيل مؤسسات الأمن بعيداً عن الولاءات الحزبية والمصالح الشخصية كما تحتاج إلى معالجة جذرية لظاهرة المليشيات والعصابات التي تحتمي بالجبهات فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الحوثي في خطوط القتال بل مع انهيار القيم داخل المدينة نفسها.

حين تعود الأخلاق ويُستعاد ميزان العدل يمكن للمدينة أن تقاوم الجوع والفقر والحصار أما إذا تُرك الحبل على الغارب فإن تعز ستظل أسيرة الفوضى وسيبقى الناس يفتقدون أبسط مقومات الحياة الكريمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى