كتابات و اراء

“منحت العمال كرامة… فخذلها وطن ممزق”

يوسف اليامي

تخيل يا عزيزي أن الكلمات التي قالها ذلك العامل البسيط ليست مجرد جملة عابرة، بل شهادة صادقة تخرج من قلب إنسان لم يعرف المجاملات ولم يتعلم لغة التزييف هذا العامل رأى بعينيه ما لم نره نحن، لمس إنسانية امرأة خرجت من دائرة السلطة والرتابة لتجلس مع العمال، مع الفقراء، مع البسطاء الذين لا يراهم أحد. قالها بصدق: “والله ما شفت بحياتي مسؤول دولة يخرج يكرم هذه الشريحة إلا هذه المرأة.” هذه ليست شهادة عابرة، بل وثيقة إنسانية تثبت أن هناك من كان يرى الإنسان قبل المنصب، القلب قبل الكرسي، والرحمة قبل الحسابات السياسية.

أي قلبٍ ذاك الذي جعلها تتذكر عمال الشوارع في صباحات رمضان، وهي كان يمكنها أن تبقى في بيتها، بعيدة عن غبار الطرقات وضوضاء الناس؟ لكنها آثرت أن تخرج، أن تضع يدها في يد المحتاج، أن تجبر بخاطر المنسيين، وهذا العامل حين يتحدث عنها، لم يتحدث عن قرارات رسمية، ولا عن خطابات سياسية، بل عن لحظة صادقة كسرت صمت الشوارع، عن ابتسامة جاءت لتطفئ تعب يومٍ كامل، عن مكافأة من جيبها الخاص لم تكن مجرد مال، بل كانت معنى، كانت تقديراً، كانت حياة.

واليوم، حين اخترقت ثلاثون طلقة جسدها، لم تُقتل امرأة فقط، بل قُتلت قيمة، قُتلت الرحمة التي كانت تخرج مع إشراق الشمس، قُتلت الإنسانية التي كانت تمر في الأزقة وتنحني للعامل البسيط، القاتل لم يغتال جسدها وحده، بل اغتال الأمل الذي كان يتشبث به هؤلاء المساكين حين يرون في مسؤولٍ صورة الأم، والأخت، والإبنة.

إنها ليست حادثة عابرة، بل جرح عميق في ذاكرة الوطن لأننا نادراً ما نجد بين مسؤولينا من ينزل إلى الشارع ليشعر بآلام من يكنسون الطرقات، ويجبر بخاطرهم بكلمة أو بلمسة حانية، وهذا العامل، حين نطق كلماته، كان يختصر رواية كاملة عن امرأة صنعت فرقاً في حياة الناس بصمت، دون إعلام، دون ضجيج، دون عدسات كاميرات، ثم رحلت بطريقة أبشع من الخيال.

إن اغتيالها ليس فقط اغتيال شخص، بل هو صفعة على وجه كل القيم التي ما زالت باقية، والرصاصات الثلاثون لم تستقر في جسدها وحده، بل اخترقت قلوب المظلومين، وزرعت فيهم مرارة الفقد والخذلان.

اليوم، العمال الذين اعتادوا انتظار خطواتها في صباح رمضان، سيجدون أنفسهم وحدهم سيشعرون أن المدينة صارت أكثر وحشة، وأن الأمل الذي كانت تبعثه بين جدرانهم قد رحل معها.

واليوم، نحن جميعاً، نقف أمام هذا المشهد الكبير: كيف يمكن أن تُقتل الرحمة بهذا الشكل الفاجع؟ وكيف نصمت أمام جريمة اغتالت إنسانة قبل أن تكون مسؤولة؟

إن شهادة ذلك العامل ستظل خالدة، لأنها ليست مجرد ذكرى، بل صرخة في وجه الزيف لقد اختصر بحروفه البسيطة معنى الخسارة، وأثبت أن التاريخ يُكتب بألسنة البسطاء، لا بخطابات الساسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى