
في أزقة الوطن المثقل بالجراح، تدور اليوم معركة جديدة. لكنها معركة غريبة، بوصلتها معطوبة وتشير إلى كل الاتجاهات ماعدا الاتجاه الصحيح. في خضم موجة الغضب الشعبي المفهومة والمشروعة ضد غول الأسعار، انطلقت حملات تدعو لمقاطعة التاجر، وعلى رأسهم القلعة التجارية التي نشأنا على منتجاتها. والهتاف الموحد يقول: “التاجر هو العدو”.
دعوني هنا أتوقف، ليس دفاعًا عن تاجر، أو شركة. فالشركات التجارية ليست جمعيات خيرية، ووظيفتها الأزلية هي الربح، ولكن أتوقف لكي أعيد ضبط اتجاه البوصلة، وأتساءل: هل نطلق النار على الهدف الصحيح؟
في علم الإدارة الدولية، ندرس ما يسمى بــ”فشل المنظومة”. تخيل أنك تقود سيارة في طريق محطم، مليء بالحفر، وبدون أي إشارات أو قوانين. وفجأة، قررت أن تصرخ في وجه سائق سيارة الإسعاف التي تسير ببطء، متهماً إياه بالتقصير في إنقاذ المريض. هل اللوم على السائق الذي يحاول المناورة في طريق الموت، أم على من ترك الطريق على هذا الحال؟ هذا بالضبط ما يحدث اليوم. فالحكومة، التي وظيفتها الأساسية هي تعبيد الطريق وتنظيم السير ووضع القوانين، قد تخلت عن دورها بالكامل. تركت طريق الاقتصاد لانهيار العملة والمضاربات، ثم وقفت تتفرج معنا على “سائق الإسعاف” وهو ينازع، بل وتشارك في رميه بالحجارة!!
القطاع الخاص، أيها السادة، ليس ملاكاً. إنه لاعب في مباراة، طبيعته البحث عن الربح وتقليل المخاطرة. وعندما يرى أن العملة التي بيده قد تصبح في الغد ورقة ليس لها قيمة، فإنه بطبيعة الحال سيحمي نفسه، ويسعّر بضاعته بناءً على تكلفة استيرادها غداً، لا على تكلفتها أمس. نعم، هذا الأمر يراكم له أرباحاً فاحشة في أوقات الانهيار، وهو ما يجرحنا ويشعرنا بالظلم، ولكنه في منطقه الإداري البحت، آلية بقاء. وهنا مربط الفرس. نحن نعيش في “اقتصاد فوضى” لا “اقتصاد سوق”. في اقتصاد الفوضى، لا توجد قواعد، واللاعب الذكي هو من يتقن فـن البقاء.
لقد رأينا جميعاً كيف أصدر البنك المركزي في عدن قراراً سيادياً بإغلاق بنوك صنعاء، ورأينا كيف تم تمييع القرار وتغييبه، واستمرت بنوك مثل “الكريمي” وغيره في العمل، ليس لأنه أقوى من الدولة، بل لأنه يدرك أن الدولة التي نتحدث عنها مجرد “شبح”، هيكل رخو لا يقوى على فرض قرار. فلماذا نلوم اللاعب على إتقانه اللعب في ملعب لا حكم فيه؟ إن الحل ليس في مقاطعة ستجوعنا أكثر، أو في شتم تاجر سيجد ألف طريقة لحماية أمواله. لكن الحل يكمن في إجبار “الحكم” على النزول إلى الملعب وأداء وظيفته.
يجب أن تتحول صرختنا الموحدة من “أيها التاجر، ارحمنا” إلى “أيتها الحكومة، احكمينا أو ارحلي”. يجب أن يكون مطلبنا واحداً، واضحاً، وموجهاً: “يا حكومة، استجيبي لشرط القطاع الخاص. وفري له الدولار بسعر صرف مستقر ومستدام، وأعلني ذلك على الملأ. ضعي على عاتقك ضمانة ألا تنهار العملة مجدداً.” عندها فقط، وفقط عندها، إذا لم يخفض التاجر سعره، يصبح هو العدو الصريح. وعندها فقط، تكون مقاطعتنا له فعلاً ثورياً وليس صرخة عاطفية في الهواء. وعندها فقط، نكون قد أصلحنا البوصلة، ووجهنا فوهة البندقية نحو رأس الخـلل الحقيقي.
أما قبل ذلك، فنحن لا نعدو كوننا ركاباً في سفينة تغرق، ونحن نتشاجر فيما بيننا ونلوم بعضنا البعض، بينما قبطان السفينة قد قفز منها منذ زمن، وتركنا نغرق في لجة الفوضى.



