
في قلب مشهد يمني مضطرب، تتقاطع فيه الحروب والمصالح، ويغيب فيه اليقين وتترنح الدولة على حافة التفكك، يبرز الدكتور رشاد محمد العليمي بوصفه رجل المرحلة، لا لأنه الأقوى أو الأكثر شعبية، بل لأنه الأكثر قدرة على البقاء وسط زلزال سياسي لا يرحم رجل لا يرفع شعارات نارية، ولا يلهب مشاعر الجماهير بخطب حماسية، لكنه يدير المرحلة بعقلية رجل دولة خبر الأمن والسياسة والقانون، ويعرف تمامًا أين يضع قدمه في حقل ألغام معقد.
رشاد العليمي، الآتي من تعز، رجل تشكّل في مؤسسة الدولة، لا في متاريس الميليشيا شغل مناصب أمنية وسياسية رفيعة قبل أن يُختار رئيسًا لمجلس القيادة الرئاسي في لحظة فراغ سياسي خطير لم يأتِ من فراغ، بل من خبرة طويلة جعلته يحسن قراءة التناقضات وترويضها. لا يُظهر عداوات صاخبة، ولا ينجرف خلف المهاترات، بل يتقن فن الصمت حين يتحدث الجميع، ويتكلم حين يصبح الكلام ضرورة وطنية.
ما يجعل العليمي رجل المرحلة ليس كاريزما الزعامة، بل واقعيته السياسية لم يعد اليمن يحتمل الأحلام الثورية ولا الزعامات الوهمية نحن في زمن “إدارة الأزمات”، لا صناعة المعجزات العليمي لا يعد بتحرير صنعاء غدًا، ولا يبيع أوهاماً عن الدولة العادلة في أسبوعين، بل يعمل على ما يمكن عمله: الحفاظ على ما تبقى من الدولة، منع انهيار المؤسسات، تجنيب البلاد المزيد من الاحتراب الداخلي، وفتح نوافذ التفاهم مع العالم.
يحاول الرجل الإمساك بالعصا من منتصفها، في بلدٍ تمزقه الاستقطابات المناطقية والطائفية والعسكرية. مجلس القيادة الرئاسي الذي يترأسه ليس مجلساً متجانساً، بل حلبة صراع مؤجلة بين مشاريع سياسية متباينة، بعضها يرى اليمن دولة واحدة، وبعضها يرى مستقبلاً منفصلاً في هذا السياق، تبدو براعة العليمي في قدرته على إدارة هذه التناقضات دون انفجار داخلي، وهي مهمة تفوق في صعوبتها قيادة جيش أو تحرير مدينة.
خصومه يتهمونه بالبطء، بالنخبوية، بالجمود، لكنه في الواقع يمارس فن البقاء في وجه عاصفة. يدرك أنه لا يملك ميليشيا، ولا ظهرًا قبلياً، ولا أموالاً تغري الحلفاء. سلاحه الوحيد هو الشرعية الدولية والحد الأدنى من التوافق الداخلي، وهذا بالضبط ما يحتاجه اليمن في هذه اللحظة: رجل لا يحرق المراحل، بل يراكم الخطوات الصغيرة.
الرجل يواجه تحديات هائلة: الشارع الغاضب من انقطاع الرواتب وتدهور الخدمات، شركاء السلطة الذين يتربص بعضهم ببعض، المليشيا الحوثية التي تسيطر على العاصمة وتعبث بالسيادة، وتعقيدات الدعم الخارجي الذي يتغير مزاجه باستمرار. ومع ذلك، لم ينهزم، ولم يستقل، ولم يذهب في طريق التصعيد العقيم.
ما فعله العليمي خلال السنوات الأخيرة لا يرقى إلى طموحات اليمنيين، لكنه في المقابل منع انهيار الدولة. حافظ على الحد الأدنى من الشكل السيادي، وواصل التنسيق مع التحالف والمجتمع الدولي، وفتح الأبواب أمام إصلاحات مالية وإدارية خجولة لكنها ضرورية. أعاد اليمن إلى طاولة الحوار، وإن كانت الكراسي من خشب مهترئ.
إنه ليس بطلاً خارقاً، ولا رجلاً استثنائياً، لكنه مناسب تمامًا لمرحلة غير استثنائية، مرحلة عنوانها: لا نريد أن نموت أكثر رجل المرحلة لأنه لم يُشعل النار، بل يحاول إطفاء الرماد لم يُنتج صراعاً، بل يداوي جراحه. لم يطلق خطاباً نارياً، بل يرسل إشارات تهدئة لكل الأطراف.
ربما حين تستقر اليمن، سيقول البعض إن العليمي لم يفعل شيئًا. وربما يقول المؤرخون لاحقًا إنه فعل أهم شيء: لم يسمح بانفجار كل شيء وهذا، في بلاد مثل اليمن، ليس أمرًا بسيطاً.



