
في مشهد سياسي مضطرب يتأرجح بين نيران الحرب وطموحات السلام، وبين حطام دولة وملامح مشروع وطني ينتظر أن يُبعث من رماده، يظهر الدكتور رشاد محمد العليمي كرجل دولة يحاول أن يعيد التوازن إلى معادلة مختلة، ويؤسس لمسار جديد يتجاوز عبء الماضي وتعقيدات الحاضر.
لا يحمل الرجل عصًا سحرية ولم يأتِ من فراغ، بل جُبلت تجربته من رحم الدولة اليمنية حين كانت لا تزال تُمسك بخيوطها، وشُكل وعيه السياسي والأمني والإداري على امتداد عقود من العمل الصامت في الظل، ثم في مواقع القرار الحرج.
منذ تسلمه قيادة مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، بدا واضحًا أن الدكتور العليمي لا ينوي خوض مغامرات خطابية جوفاء، ولا الدخول في بازار المزايدات الوطنية، بل جاء ليمارس وظيفة رجل الدولة كما يجب أن تكون: بهدوء وتوازن وحنكة، فقد آثر الصمت المدروس بدلًا من التصريحات المرتجلة واعتمد الواقعية السياسية طريقًا في زمن تاهت فيه البوصلة وتصارعت فيه المشاريع حتى تكاد البلاد تنسلخ من ذاتها.
الذين انتظروا من العليمي مواجهة نارية مع جماعة الحوثي ربما خاب ظنهم، لكن من تأملوا خطواته بعمق أدركوا أنه يتحرك ضمن رؤية مركّبة تحاول تثبيت الشرعية داخليًا وخارجيًا دون أن يسقط في فخ التصعيد الإعلامي أو الانفعالات اللحظية.
في الداخل، حافظ الرجل على قدر معقول من التوازن داخل مكونات المجلس رغم الاختلافات الصارخة، وسعى لتقليص فجوة الخلاف بين المكونات السياسية التي التقت على كراهية الحوثي لكنها ما زالت تتنازع الغنائم في المناطق المحررة، وفي الوقت ذاته حاول إرساء نوع من الهيبة لمؤسسة الرئاسة عبر ضبط إيقاع الخطاب الرسمي وتحريك عجلة الإصلاحات في مؤسسات الدولة الهشة، وتوجيه الموارد لتكون بيد الحكومة لا بيد القوى النافذة.
أما خارجيًا، فقد وظف الدكتور العليمي خبرته الطويلة في العلاقات الدولية والأمن القومي لترميم صورة الشرعية في المحافل الدولية، وبناء تحالفات أكثر مرونة مع دول الإقليم، وعلى رأسها السعودية، لم يكن الأمر سهلاً في ظل التعقيدات اليمنية والمواقف الدولية المتحفظة، لكنه نجح في خلق مساحة للحوار وتحريك المياه الراكدة والعودة بالملف اليمني إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، دون الانخراط في محاور إقليمية تجر البلاد إلى المزيد من التشظي.
ومن أبرز ملامح سياسة الدكتور العليمي، قدرته على الموازنة بين مصلحة الدولة ومصالح الحلفاء، دون أن يظهر كأداة بيد أي طرف، فهو يدرك أكثر من غيره أن الدولة اليمنية لن تقوم إلا بقرار داخلي وطني مستقل، مهما بلغت حاجته للدعم الخارجي، لذلك لم يُظهر تبعية عمياء لأي طرف بل سعى لكسب ثقة الجميع دون التورط في صراع المحاور.
يُلام الرجل أحيانًا على بطء قراراته أو على صمته الطويل إزاء كثير من الاستفزازات، لكن الحقيقة أن ذلك الصمت غالبًا ما يكون أبلغ من الكلام وأن البطء ليس دائمًا ضعفًا، بل أحيانًا ضرورة في بيئة سياسية هشة وشديدة التعقيد.
إن العمل السياسي في اليمن اليوم لا يشبه أي تجربة أخرى ولا يمكن التعامل معه بمنطق القطيعة أو الشعارات، بل يحتاج إلى رجل يُتقن فن الإمساك بالعصا من المنتصف، ويعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يتحرك.
لقد واجه الدكتور العليمي في فترة وجيزة تحديات جسام: انهيار اقتصادي، انقسامات سياسية، تهديدات أمنية، حرب معلقة، سلام هش، وسلطة مركزية تتآكل، ومع ذلك لم يهرب إلى الأمام ولم ينكفئ على نفسه، بل حمل على عاتقه إرث الدولة اليمنية بكل هشاشتها، وحاول أن يفتح ولو ثغرة في جدار الظلام على الضوء يجد طريقه ذات يوم.
قد يختلف البعض مع بعض خيارات الرجل وقد يُحمّله آخرون أكثر مما يحتمل، لكن ما لا يمكن إنكاره أن رشاد العليمي اختار طريق الدولة لا طريق الجماعة، وطريق البناء الصعب لا طريق الانقلاب السهل، ومن هنا تنبع أهمية تجربته ويُفترض أن تحظى بالدعم من كل من يؤمن أن اليمن لا تُبنى بالمليشيات، ولا بالخطابات، بل بالرجال الذين يؤمنون بفكرة الدولة ويصبرون على مشقة بنائها.
في اليمن لا توجد وصفة جاهزة للنجاح، لكن توجد إرادة، ومَن يملكون هذه الإرادة لا بد أن يُمنحوا الفرصة كاملة قبل أن يُحاكَموا بمعايير الحالمين أو المحبطين، ولعل الدكتور رشاد العليمي هو أحد أولئك القلائل الذين ما زالوا يحاولون رغم كل العواصف، أن يقولوا: الدولة أولًا وإن طال الطريق.



