
في اليوم العالمي لحرية الصحافة لا تبدو الكلمات مجرد حروف تكتب بل أرواحًا تستعاد من بين ظلال القيد وأصواتًا تنفض عنها غبار الزنازين لتعلن أن الحقيقة مهما حوصرت، لا تموت.
أنا محمد الصلاحي، صحفي عرف السجن لا كجدارٍ عابر، بل كزمنٍ ممتد: خمسة أعوام وسبعة سجون.
تجربة لا تُختصر بعدد السنوات، بل تُقاس بعمق الألم، وبحجم الأسئلة التي تولد في العتمة. هناك، حيث يُفترض أن تُخمد الأصوات، كان الصحفيون جذوة النضال، وكان الحبر وإن غاب يسري في العروق كفكرة لا تُقهر.
لم نكن مجرد أسماء في قوائم المعتقلين، بل كنا مرايا متعددة للحقيقة.
في الزنزانة، التقيت بـعبدالخالق عمران، الذي كان كبرياؤه يسبق صوته، وكأن الكرامة لديه لغة قائمة بذاتها.
ومع توفيق المنصوري، تعلمت أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل مقاومة هادئة تُراكم المعنى في وجه القهر.
أما محمد علي الجنيد، فكان نموذجًا للتحمل، رجلًا يقف على حافة الألم دون أن يسقط في هاويته.
وفي زوايا أخرى من الذاكرة، يبرز عصام بلغيث بدبلوماسيته التي جعلت حتى الصمت خطابًا، وحارث حميد بشراسته التي كانت درعًا نفسيًا في وجه محاولات الانكسار، وأكرم الوليدي بعناده الذي يشبه جذور الأشجار حين تتشبث بالأرض رغم العواصف، وبدر سلطان بشموخه الذي كان يعلو على الجدران، كأنه يقول إن السجن حالة جسدية لا روحية.
في تلك الزنازين، لم يكن التعذيب مجرد وسيلة انتقام، بل محاولة منظمة لإعادة تشكيل الوعي، لكسر الفكرة قبل الجسد. قيود تُحكم، أصوات تُقمع، وأساليب قاسية تُمارس، حتى بلغ الأمر حد إصدار أحكام بالإعدام.
لم يكن الهدف إنهاء الحياة بقدر ما كان محاولة لإعدام المعنى ذاته: معنى أن تكون صحفيًا، أن تكون شاهدًا، أن تكون ضميرًا حيًا.
لكن المفارقة التي لم تدركها تلك المليشيا هي أن الصحفي، حين يُسجن، لا يتوقف عن الكتابة، بل يكتب بطريقة أخرى: بالصبر، بالصمت، بالذاكرة.
كل يوم في السجن كان مقالًا غير مكتوب، وكل لحظة ألم كانت جملة مؤجلة تنتظر أن تُروى.
خارج السجن، لا تختلف المعاناة كثيرًا. الصحفي اليمني يعيش في مساحة ملتبسة بين الخطر والواجب.
من نجا من الاعتقال، يواجه التهديد، ومن أفلت من التهديد، يطارد لقمة العيش في واقع اقتصادي هش.
ومع ذلك، تستمر الكلمة.
لماذا؟ لأن الصحافة في جوهرها ليست مهنة فقط، بل موقف أخلاقي من العالم.
لقد استشهد كثيرون في سبيل حرية الكلمة، وسقط آخرون ضحايا لمحاولات اغتيال، وتعرض العشرات للمضايقات.
كل ذلك لأنهم قرروا أن يروا، وأن يقولوا ما رأوا.
في عالمٍ يزداد تعقيدًا، تصبح الحقيقة عبئًا ثقيلًا، ويصبح حاملها هدفًا مشروعًا لمن يخشون انكشافهم.
ولا يزال هناك صحفيون خلف القضبان حتى اللحظة.
أسماء قد لا يعرفها الجميع، لكنها تحمل ذات الحكاية: حكاية إنسان آمن بأن للكلمة قيمة، وأن للصمت ثمنًا أعلى من الكلام.
هؤلاء ليسوا مجرد معتقلين، بل شهود مؤجلون، ينتظرون لحظة الحرية ليكملوا سرد القصة.
فلسفيًا، يمكن القول إن الصراع هنا ليس بين سلطة وصحفي، بل بين روايتين للعالم: رواية تريد أن تفرض واقعًا أحاديًا، ورواية أخرى تصر على التعدد، على كشف التناقض، على مساءلة المسلّمات.
في هذا الصراع، قد تُهزم الأجساد مؤقتًا، لكن الأفكار تظل قادرة على التسلل، على إعادة التشكل، على الظهور من جديد.
الصحافة، في أعمق تعريفاتها، هي فعل مقاومة ضد النسيان.
والسجن، مهما طال، لا يستطيع أن يمحو الذاكرة، بل قد يكرّسها.
نحن لم نخرج من السجن كما دخلناه خرجنا ونحن نحمل داخله معنا، نحمله كقضية، كمسؤولية، كحافز لمواصلة الطريق.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نحتفل بواقعٍ مثالي، بل نذكّر العالم بأن الحرية لا تزال ناقصة، وأن هناك من يدفع ثمنها يوميًا.
نكتب لنقول إن الصحفي ليس عدوًا، بل ضرورة.
وإن الحقيقة، مهما تأخرت، تصل.
وإن كان للسجن من معنى، فهو أنه يكشف معدن الإنسان. وقد كشف لنا أن الكلمة الصادقة، حتى وهي محاصرة، تظل أقوى من الجدران.



