
في كتاب للمفكر الاستراتيجي الأمريكي ، يُطرح تصور عميق لطبيعة الصراع الدولي بعد الحرب الباردة: العالم ليس ساحة أحداث عشوائية، بل رقعة شطرنج تتحرك عليها الدول الكبرى وفق حسابات دقيقة، حيث لا تتحرك “القطع” بإرادتها الكاملة، بل تتأثر بمصالح القوى المهيمنة واتجاهاتها.
عند إسقاط هذا التصور على الواقع اليمني، تتضح صورة مختلفة عمّا يبدو على السطح. فما يجري في اليمن لا يمكن فهمه فقط بوصفه صراعًا داخليًا، بل بوصفه انعكاسًا لموقع جيوستراتيجي وضع البلاد في قلب حسابات إقليمية ودولية أكبر منها.
اليمن كـ«محور جيوستراتيجي» في نظرية بريجينسكي
يفرّق بريجينسكي بين نوعين من الدول:
لاعبين جيوستراتيجيين: يمتلكون القدرة على التأثير خارج حدودهم.
محاور جيوستراتيجية: تكتسب أهميتها من موقعها،
هذا الوصف ينطبق بدقة على اليمن. فالإشراف على ، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يمنح اليمن قيمة عالمية استثنائية. تمر من هذا الممر نسبة معتبرة من تجارة العالم ونفطه، ما يجعل الموقع اليمني عنصرًا حساسًا في معادلات الأمن الدولي.
بحسب منطق الكتاب، هذه القيمة الجغرافية تجعل اليمن «محورًا» تتنافس عليه القوى، حتى لو كان ضعيفًا داخليًا. فالموقع هنا أهم من الدولة نفسها.
من «الدولة المؤثرة» إلى «الموقع المؤثر»
يشرح بريجينسكي أن بعض الدول لا تُعامل دوليًا بناءً على قدراتها، بل بناءً على مواقعها. في هذه الحالة، يصبح الاهتمام الخارجي منصبًا على ضمان بقاء هذا الموقع ضمن توازنات تخدم مصالح القوى الكبرى.
في الحالة اليمنية، يبدو أن الاهتمام الدولي والإقليمي لا ينطلق من بناء دولة يمنية قوية، بقدر ما ينطلق من منع تحوّل موقعها إلى مصدر تهديد للملاحة أو لتوازنات المنطقة.
إدارة اليمن من الخارج: الدولة غير مكتملة السيادة
من الأفكار الجوهرية في الكتاب أن السيطرة الحديثة لا تحتاج إلى احتلال مباشر، بل يمكن تحقيقها عبر:
التأثير في القرار السياسي
التحكم في التحالفات
إدارة التوازنات الداخلية
هذا المفهوم ينعكس بوضوح على الواقع اليمني. فالتأثير المباشر لـ في القرار السياسي، وحضور أدوار إقليمية أخرى مثل ، إضافة إلى الاهتمام الدولي بأمن الملاحة، يجعل القرار السيادي اليمني موزعًا بين أطراف متعددة.
بهذا المعنى، يمكن توصيف اليمن – وفق عدسة بريجينسكي – كـ«دولة غير مكتملة السيادة»: دولة بحدود واضحة، لكن بقرار سيادي غير مكتمل الاستقلال.
منع تشكّل قوة موحدة: تطبيق عملي لفكرة الكتاب
يؤكد بريجينسكي على ضرورة منع ظهور قوة موحدة في المناطق الحساسة جيوستراتيجيًا، لأن توحّد القرار في هذه المناطق قد يغيّر موازين القوى.
في اليمن نلاحظ:
استمرار الانقسامات
تعدد مراكز النفوذ
غياب سلطة مركزية كاملة
وفق هذا المنظور، لا يبدو هذا الواقع مجرد فشل سياسي عابر، بل حالة تتقاطع مع منطق جيوستراتيجي يفضّل بقاء التوازنات الداخلية على حال من التشظي، بما يمنع ظهور يمن موحد قوي يسيطر على موقعه الاستراتيجي بالكامل.
اليمن كمحور تتحرك حوله القوى
اليمن اليوم ليس لاعبًا فاعلًا في السياسة الإقليمية بقدر ما هو محور تتحرك حوله القوى:
قوى دولية معنية بأمن الملاحة في باب المندب
كل طرف يرى في اليمن جزءًا من حساباته الأمنية والاستراتيجية، لا شريكًا سياسيًا كامل الإرادة.
انعكاس نظرية بريجينسكي على الواقع اليمني
وفقًا لعدسة بريجينسكي، يمكن وصف اليمن بأنه:
محور جيوستراتيجي يفتقد اللاعب الجيوستراتيجي
أي أن اليمن يمتلك موقعًا ذا قيمة عالمية، لكنه لا يمتلك القدرة السياسية الموحدة التي تمكّنه من توظيف هذه القيمة لصالحه.



