
للمرة الثانية خلال أيام تعود محافظة المهرة إلى أزمة وقود خانقة، تعود معها طوابير الانتظار وينقطع التيار الكهربائي وتظهر السوق السوداء كخيار وحيد يفرض نفسه على الناس.
تأتي هذه التطورات بعد فترة قصيرة من انتهاء حصار استمر نحو أسبوع، جرى احتواؤه بوساطة محلية أعادت فتح الطريق مؤقتًا قبل أن تتوقف القواطر مرة أخرى مع تجدد منع عبورها من مناطق “عيص خرد” في حضرموت نحو المهرة سواء كانت محملة بالوقود أو بالمواد التموينية.
المشهد واضح في نتائجه، طريق متوقف ينعكس مباشرة على مدينة كاملة. تتعطل فيها الخدمات تدريجيًا وتتراجع القدرة اليومية على تسيير الحياة، ويجد الناس أنفسهم أمام واقع يتكرر بنفس التفاصيل دون أن تتغير أسبابه أو معالجة جذوره.
هذا التكرار السريع للأزمة يكشف أن ما جرى لم يكن حالة عابرة، وإنما تعبير عن خلل ما زال قائمًا، جعل الطريق نقطة ضعف يمكن العودة إليها في أي لحظة، وأبقى حياة الناس مرتبطة بأي إغلاق مفاجئ خارج نطاق مؤسسات الدولة.
ترتبط هذه الإجراءات بمطالب محلية تتعلق بملف سجناء من أبناء “قبائل الحموم”، وهي قضية معروفة في سياقها وكان يفترض أن تبقى ضمن مسارها القانوني. غير أن انتقالها إلى الطريق العام وسع آثارها، ووضع مجتمعًا كاملًا في مواجهة نتائج لا علاقة له بها، لتصبح القواطر وسيلة ضغط وتتحول حياة الناس إلى جزء من معادلة لا تمر عبر القنوات الطبيعية.
من يعرف حضرموت وتاريخها الاجتماعي يدرك أن الطريق لم يكن مجالًا لمثل هذه الممارسات، وأن حرمة المسافر وحماية حركة الناس ظلت جزءًا من القيم المستقرة لعقود طويلة، وهو ما يجعل ما يحدث اليوم أقرب إلى نتيجة لتراكمات أضعفت حضور الدولة وفتحت المجال أمام أنماط إدارة للخلاف لم تكن مألوفة من قبل.
استمرار هذا الوضع يعني أن الأزمة مرشحة للتكرار. لأن المشكلة لم تعد مرتبطة بحدث واحد، وإنما بطريقة التعامل مع المطالب، وفي غياب إطار واضح يضمن بقاء الطرق مفتوحة ويمنع استخدامها كأداة ضغط كلما تعثرت الحلول داخل المؤسسات.
المهرة اليوم تعيش هذه النتائج بشكل مباشر، حيث لا يقف تأثير الأزمة عند حدود الوقود، بل يمتد إلى الكهرباء والخدمات والأسواق، ويخلق حالة من الضغط اليومي على المواطن الذي يجد نفسه أمام واقع لا يملك تفسيره ولا القدرة على تغييره، ومع ذلك يتحمل تبعاته كاملة.
الدولة في هذا السياق أمام اختبار يتجاوز إنهاء الأزمة الراهنة، ويتصل بقدرتها على منع تكرارها، وإعادة ضبط العلاقة بين المطالب المحلية والوسائل المستخدمة لتحقيقها، بحيث تبقى القضايا ضمن مساراتها وتبقى حياة الناس بعيدة عن أي تصعيد يخرج عن هذا الإطار.
ما يحدث الآن يعيد طرح سؤال يتعلق بشكل المجال العام ومن يملك التحكم فيه. وكيف يمكن إعادة الأمور إلى وضع يضمن استقرار المدن ويحفظ للطرق وظيفتها الطبيعية ويمنع تحولها إلى مصدر دائم للأزمات.
في النهاية تحتاج هذه الحالة إلى معالجة جادة تعيد الاعتبار لدور الدولة وتغلق المساحات التي تسمح بتكرار مثل هذه الوقائع. لأن بقاء الطريق مغلقًا ولو لأيام يكشف حجم الأثر الذي يمكن أن يمتد سريعًا إلى حياة الناس ويؤكد أن استقرار المجتمع يبدأ من تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تمس الجميع دون استثناء.



