كتابات و اراء

قراءة تحليلية في نموذج استثنائي لحضور الضحية كشاهدة: انتصار الحمادي على قناة الجمهورية

أمنيات الرفاعي

أن الحضور الإعلامي للضحايا في منابر الرأي العام لم يعد مجرد فعل بوح عاطفي، أو مساحة لتفريغ الألم الإنساني، بل اصبح، في عصر الصراعات الكبرى، ركناً اساسياً من معركة السرديات الحقوقية والأخلاقية. فالمقابلة التلفزيونية مع ضحية انتهاكات جسيمة ليست تبادلاً بريئاً للأسئلة والأجوبة، بل هي مساحة استثنائية تُختبَرُ فيها قدرةُ الضحية على تحويل الألم الشخصي إلى شهادة تاريخية، وإدارة المعنى لترسيخ مظلومية تتجاوزه هو شخصياً وتنتقل لتشمل الجماعة، وتثبيت رواية الحق في وجه آلة القمع الباطلة.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى اللقاء الخاص الذي أجرته قناة الجمهورية مع الشابة اليمنية انتصار الحمادي، في أول ظهور إعلامي لها بعد خمس سنوات من التغييب القسري في سجون ميليشيا الحوثي، باعتباره مثالاً دالاً واستثنائياً على أن صدق المظلومية قد يكفي وحده ليكون صاحبه مميزاً ومؤثراً في الحوار. غير أن الصدق، على محوريه، ليس العامل الوحيد؛ فالحضور الإعلامي للضحية كشاهدة هو أيضاً فن من فنون الأداء الإنساني العفوي، يبدأ من الإيمان بقدسية الحقيقة التي تتحدث عنها، ويمتد إلى مهارات فطرية لا تقل أهمية: القدرة على استحضار الذاكرة المثقوبة بالألم دون الانهيار الكامل، والاقتصاد في وصف البشاعة لتعميق أثرها، والقدرة على التعامل مع أسئلة المحقق الإعلامي بروح الشاهدة لا المتهمة. هذه العناصر جميعها ظهرت في أداء انتصار الحمادي خلال هذا اللقاء الطويل والمضني، حيث قدمت نموذجاً واضحاً للمتحدثة التي تعرف حجم المأساة التي عاشتها، وتعرف كيف توصل تفاصيلها المروعة لضمير العالم بصدق جارح وعفوية مؤثرة.

فمنذ اللحظة الأولى للحوار، حاولت المذيعة أن تؤطر النقاش ضمن سياق مأساوي موجه، غير أن اللافت في أداء انتصار أنها لم تكتفِ بتأدية دور الضحية السلبية التي رسمته المقدمة، بل بدأت برسم معالم شخصيتها الطموحة قبل الانتهاك والتغييب القسري في السجن، محاولة استعادة فاعليتها الإنسانية قبل أن تغتالها آلة القمع. بهذه البساطة العفوية، نقلت الحديث من حقل التعاطف المجرد مع ضحية مجهولة، إلى حقل الانخراط الوجداني مع إنسانة ذات أحلام وطموحات تم تدميرها. وهو انتقال مهم في إدارة أي حوار مع ضحية؛ لأن النقاش عندما يُبنى على الإحصائيات والأرقام يظل قابلاً للتجريد، أما عندما يُعاد إلى الإنسانية وتفاصيل الحياة اليومية فإنه يصبح أكثر تأثيراً ورسوخاً في الذاكرة. لننظر مثلا على كيفية الاسيلة وتفاعل المذيعة سنجد الاتي : طرح الأسئلة: اعتمدت المذيعة بشكل كبير على الأسئلة المفتوحة التي تتيح للضيفة سرد قصتها بحرية

“احكي من هي انتصار؟”،

“كيف تغيرت حياة انتصار؟”)

كما استخدمت أسئلة استقصائية دقيقة لاستخراج تفاصيل محددة

“الساعة كم؟”

“من هم؟

مدني أم عسكري؟”

“ايش طلبوا بالضبط؟”

. لم تكن هناك اسئلة تهدف التملق، بل كانت الأسئلة تهدف للوصول إلى عمق الحقيقة وتوثيق الانتهاكات بصوت الضحية. ولا ننسي وجود التوازن الذي من خلاله مُنحت الضيفة الوقت الكافي للسرد والتعبير عن مشاعرها، ولم تكن هناك مقاطعات مزعجة من المذيعة. على العكس، كانت المذيعة تحترم لحظات الصمت والبكاء وتعطيها مساحة (“خذي راحتك”، “أنا منتظرة الان تستجمعي كل الصور”) .الحوار سار بتدفق طبيعي يعكس تركيزاً تاماً على الضيفة وقصتها. جودة الصورة كانت ممتازة واللقطات كانت قريبة للتركيز على تعابير وجه الضيفة وانفعالاتها، مما يعزز التأثير العاطفي للمقابلة. لم تتخلل المقابلة تقارير خارجية، ولكن الشهادة الشفوية المباشرة كانت كافية ووافية. المؤثرات الصوتية اقتصرت على الموسيقى الخلفية الهادئة التي تعمق الإحساس بالحزن والمأساة.

وخلال هذا اللقاء الطويل، وقعت لحظات صمت وبكاء وتوتر كثيرة من جانب انتصار، ناتجة عن استحضار ذكريات مؤلمة وصادمة. ومع ذلك، لم تحاول انتصار أن تستغل هذه اللحظات لاستدرار العطف بشكل مفتعل، بل كانت تكافح لاستجمعا شتات نفسها وإكمال الفكرة، محافظاً على النبرة الصادقة ذاتها وعلى الإيقاع العفوي ذاته في الكلام.

ما يلفت الانتباه أيضاً أن انتصار لم تلجأ إلى العبارات المنمقة أو التراكيب اللغوية المعقدة، بل حافظت على قدر واضح من الاقتصاد والعفوية في اللغة، مستخدمة مفردات بسيطة من لهجتها المحلية تعكس صدق تجربتها (“كابوس”، “انذليت”، “مش قادرة”). وقد ساعدها في ذلك، برغم التوتر، ذاكرتها الحية التي كانت تعود في كل مرة إلى عناصر محددة وصادمة: تاريخ الاعتقال، أسماء الجلادين (ماهر العميسي، أم الكرار)، تفاصيل محاولات التجنيد القسري، وبشاعة التعذيب الجسدي والنفسي. وبهذا الأسلوب العفوي، تحوّل الحوار تدريجياً من مجرد قصة حزينة إلى وثيقة إدانة حقوقية وسياسية دامغة ضد آلة القمع.

النبرة التي استخدمتها طوال الحوار، رغم أنها كانت مشحونة بالحزن والألم، إلا أنها اتسمت بصدق داخلي لا يمكن المرور عليه دون تحليل؛ فصدق النبرة يمنح الضحية الشاهدة صورة الشخص الواثق من حقيقته، وتجنبها السقوط في فخ التباكي المفتعل الذي قد يضعف مصداقيتها. كما أن هذا الثبات العفوي في الأداء جعل لحظات الضعف والبكاء تبدو كجزء أصيل وحقيقي من الشهادة، لا كعنصر خارجي مشوش. ولعل اللحظة الأكثرَ دلالةً في هذا الحوار جاءت في ختامه، حين لخّصت انتصار موقفها وحالتها بجملة مكثفة وواضحة مفادها أنّ الخمس سنوات الماضية كانت: ( موت بطيء).

هذه الخلاصة كانت التعبير المكثف عن الحقيقة التي حاولت تثبيتها منذ بداية الحديث حيث ان المقابلة حققت هدفها بامتياز في تقديم شهادة صادمة وموثقة حول ممارسات ميليشيا الحوثي في السجون. قدمت إضافة معرفية وحقوقية هامة حول طبيعة الانتهاكات الجسيمة ضد النساء، وساهمت في لفت الأنظار لمعاناتهن. هي ليست مقابلة للاستهلاك الإعلامي العابر، بل هي وثيقة للتاريخ والمحاسبة. أن الانتهاك لم يكن عابراً، بل كان اغتيالاً تدريجياً للحياة والأحلام والأمان.

بهذا المنطق الذي أحلل به هذا اللقاء، يمكنني القول: إن هذا اللقاء، على طوله ومشقته، قدم مثالاً عملياً واستثنائياً على ما يمكن أن يفعله حضور الضحية الشاهدة حين يجمع بين صدق المظلومية العفوي وبين القدرة على أداء إعلامي فطري يركز على توثيق الحقيقة. ففي زمن تكثر فيه المقابلات التلفزيونية، وتشتد فيه معركة السرديات الحقوقية والأخلاقية، يصبح مثلُ هذا الحضور الصادق والجريء، القائم على الشهادة الحية وكسر حاجز الصمت وضبط الأداء العفوي، أحدَ النماذج الاستثنائية التي تستحق التوقف عندها بعمق في قراءة الحضور الإعلامي لضحايا الانتهاكات في سياق الصراعات المعاصرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى