
في بلدٍ يئنّ تحت ثقل الأزمات، لا يبدو الإعلام ترفًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية تُسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه البوصلة نحو المستقبل.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا لو كان هذا الإعلام نفسه جزءًا من المشكلة؟
في اليمن، حيث تتكاثر التحديات وتضيق مساحات الأمل، يقف الطفل—وهو النواة الأولى لأي تغيير حقيقي—خارج دائرة الاهتمام الإعلامي.
لا بوصفه فاعلًا في الحاضر، ولا كاستثمار للمستقبل.
هذا الغياب لا يمكن قراءته كإهمال عابر، إنما كاختلال عميق في فهم وظيفة الإعلام ودوره في بناء الإنسان.
طفولة خارج الكادر… وأرقام لا يمكن تجاهلها
حين ننظر إلى الواقع، لا تبدو الصورة أقل قسوة. وفق تقديرات UNICEF، هناك نحو 10 ملايين طفل يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما يقف أكثر من 3.7 مليون طفل خارج النظام التعليمي.
ومن جهة التعليم، تشير بيانات UNESCO إلى أن اليمن تُصنّف ضمن البيئات التعليمية الهشة المتأثرة بالنزاعات، حيث يواجه مئات الآلاف من الأطفال صعوبة في مواصلة تعليمهم بشكل طبيعي. هذه الأرقام تكشف عن خلل بنيوي في منظومة التنشئة والتكوين المعرفي، وفي ظل غياب محتوى إعلامي هادف وموجه، يُترك الطفل في مواجهة فضاء رقمي مفتوح، تتنازعه المضامين، وتتشكل داخله القيم بشكل عشوائي، بعيداً عن أي تأطير ثقافي أو تربوي.
من التهميش إلى التشويه: كيف يُقدَّم الطفل في إعلامنا؟
المشكلة لا تقف عند حدود الغياب، إنما تتجاوزها إلى شكل الحضور حين يحدث. ففي كثير من البرامج، لا يظهر الطفل بوصفه عقلًا يُحاور أو وعيًا يُبنى، إنما كأداة وظيفية تُستخدم لإثارة العاطفة أو ملء الفراغ.
مرة يُقدَّم كوسيلة لاستدرار التعاطف، ومرة كعنصر للتهريج، وأخرى كنموذج مصغّر لنسخة مشوهة من الكبار.
هذه المعالجات لا تُنتج ترفيهًا بريئًا، إنما تساهم في تشكيل وعي مرتبك، يدفع الطفل إلى القفز فوق مراحله الطبيعية، وتبنّي أنماط سلوكية وقيمية غير متزنة.
”الباحث الصغير”.. لحظة انكشاف الحقيقة
وسط هذا المشهد المرتبك، يبرز برنامج “الباحث الصغير” على قناة سبأ كاستثناء يفرض نفسه.
لا لأنه برنامج خارق، إنما لأنه أعاد تعريف القاعدة من الأساس. يُقدَّم البرنامج بالكامل باللغة العربية الفصحى، ويقف الأطفال في الواجهة ليس كضيوف عابرين، إنما كمحاورين حقيقيين يقودون النقاش بثقة واتزان.
وفي كل حلقة، يستضيفون عالمًا من علماء التاريخ، في حوارات تمزج بين السرد والمعرفة، وتعيد تقديم الإرث العلمي بأسلوب حيّ، يجعل الطفل متصلًا بجذوره وبعلم البشرية الطويل.
ولا يتوقف تميز “الباحث الصغير” عند المحتوى، فقد صُمّم الديكور بعناية ليحمل هوية واضحة موجهة للأطفال؛ ألوان منسجمة وتفاصيل مدروسة تمنح المشاهد إحساسًا فوريًا بطبيعة البرنامج.
هذا الانسجام بين الشكل والمضمون يعكس وعيًا حقيقيًا بطبيعة الجمهور المستهدف، وكيفية مخاطبته بصريًا ومعرفيًا في آن واحد.
المشكلة لم تكن في الطفل… بل فينا
ما يكشفه هذا البرنامج أن الطفل اليمني لم يكن يومًا عاجزًا، إنما كان ضحية لطريقة تقديم قاصرة.
الإمكانيات التي تظهر على الشاشة تضعف كل الذرائع التي تبرر غياب المحتوى الهادف، وتؤكد أن المشكلة في الرؤية، لا في الجمهور.
إذا كان نموذج واحد كـ “الباحث الصغير” قادرًا على تحقيق هذا التأثير، فإن السؤال لم يعد تقنيًا، إنما سؤال إرادة ….. أين بقية القنوات؟ وأين السياسات التي تضمن تنوع المحتوى؟
الخلاصة: اختبار لا يحتمل التأجيل
إن “الباحث الصغير” ليس مجرد برنامج ناجح، إنما مرآة صادقة تعكس حجم الخلل في بقية المشهد وهو دليل على أن التغيير ممكن، لكنه يضع الجميع أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها في بلد يقف على حافة الانهيار، لا يملك الإعلام رفاهية الحياد أو السطحية.
إما أن يكون أداة لبناء الإنسان… أو وسيلة لتكريس الفراغ.
والسؤال الذي سيبقى معلقًا: أي مستقبل نصنع… حين نُهمّش من سيعيش فيه؟



