كتابات و اراء

مســـــــمــــــــار جــــحـــــــا

محمد عبد الله المخلافي

“مُؤَمْرَكُونَ إلى العظامِ، لهُم وجوهٌ فارسيّة”
​الشاعر الكبير عبد الله البردوني

​ليست مجرد تشبيه، بل هي استراتيجية مدروسة لإيجاد “موطئ قدم” أو “ذريعة” دائمة للتدخل في الشأن العربي لتحقيق أغراض دولية كبرى. تاريخياً، القوى العظمى لا تتدخل في مناطق الاستقرار بشكل مباشر بل تحتاج دائماً إلى “بؤرة توتر” لتبرير وجودها العسكري طويل الأمد.

هنا ينتابني ويوجس على خاطري سؤال: هل فُرِض الحوثي لتحقيق هذا السيناريو؟
​قبل الإجابة عن ذلك، هناك فرق بين “المؤامرة المخططة” وبين “استغلال الفرص”. ولكن الحوثي، بعد تلقينه وتدريسه للسيناريو في إيران، استخدم الاثنين معاً ولذلك تكون الإجابة المختصرة هي في الواقع استغلت جماعة الحوثي أحداثاً وفراغاً في السلطة عام 2014، و الصمت الدولي الأولي عنه ثم التعامل معه كطرف سياسي رغم انقلابه دليلٌ على أن بعض القوى الدولية وجدت فيه “مصلحة تكتيكية” لإعادة ترتيب توازنات المنطقة، وذلك بتحويل اليمن من “دولة” إلى “ورقة ضغط” دولية.

​لنعد ونقول: من المستفيد الحقيقي من وجود سلطة  “للجماعة” في منطقة حساسة كباب المندب؟
​بالطبع المستفيد المباشر هي طهران ومشروع “الممرات”
​بالنسبة لها، بإعتبار الحوثي  “ذراع استراتيجي” يمنحها سيطرة غير مباشرة على أهم مضيقين في العالم: هرمز وباب المندب. لتصبح طهران قادرة على مساومة الغرب والعرب في أي ملف (نووي أو إقليمي) عبر تهديد شريان الطاقة العالمي، دون أن تدخل هي في مواجهة مباشرة.
​هناك  المستفيد غير المباشر: القوى العظمى (البحث عن الذريعة)

​هنا يبرز الإنقلابين كـ “مسمار جحا”؛ فوجود قوة “غير منضبطة” دولياً في باب المندب، في ظل ذروة التنافس (الأمريكي- الصيني) على السيادة البحرية وطرق التجارة، يعطي الدول العظمى المبرر الشرعي والقانوني لـ:
​عسكرة البحر الأحمر: إرسال الأساطيل (مثل عملية “حارس الازدهار” الأمريكية أو “أسبيدس” الأوروبية) بحجة حماية الملاحة.
​بناء قواعد دائمة: في جيبوتي، إريتريا، وسقطرى، وحتى الصومال، بحجة “مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات”.

إضعاف المشروع العربي
​جعلُ الحوثي صاحب سلطة في اليمن يخدم أجندة تفتيت القوى الإقليمية: لإستنزاف الجوار إبقاء المملكة العربية السعودية في حالة استنزاف دفاعي مستمر، مما يعطل مشاريع التنمية الكبرى (مثل رؤية 2030)، ويجبرها على إنفاق المليارات على التسليح بدلاً من الاستثمار.

​إضعاف مصر من خلال التهديد المباشر لقناة السويس فأي تعطيل في باب المندب يعني خسارة مليارات الدولارات للاقتصاد المصري مما يضعف الدور الريادي لمصر في المنطقة.
​وهكذا تحول اليمن من “دولة” إلى “ورقة ضغط” دولية. الغرب يريد الحفاظ على التوازن (لا انتصار ساحق للشرعية ولا انهيار كامل للحوثي) لإبقاء المنطقة تحت الحاجة الدائمة لـ “الحماية الدولية”.

​نعم، الحوثي في باب المندب هو “مسمار جحا الجيوسياسي”. اللاعبون وراءه كثر؛ فمنهم من يمده بسلاح (إيران، وروسيا أحياناً للنكاية بالغرب)، ومنهم من يستخدم وجوده لتبرير هيمنته البحرية (الولايات المتحدة وبريطانيا). أما الخاسر الأكبر فهم نحن اليمنيون والعرب الذين تُسلب سيادتهم على ممرهم المائي التاريخي.

لذا، على الأمة العربية جمعاء حكومة وشعباً أن تدرك بأن المؤامرة كبيرة، وأن الوطن العربي تحت المجهر، والسيادة في باب المندب لا تُنتزع بالشعارات بل بفرض واقع جيوسياسي يجعل العالم يعترف بأن المشكلة عربية والحل عربي، وأن أمن هذا الممر هو مسؤولية “أهل الدار” أولاً. لذلك فإن استقرار الملاحة الدولية يمر حتماً عبر استقرار وتنمية الدول العربية المشاطئة له، ومن ثمَّ حل المشكلة بأيادٍ ولحمة عربية بانتزاع مسمار جحا من جذوره بتاتاً، ليس من باب المندب فقط بل من اليمن كاملاً، وذلك قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى