حرب النفوذ في الشرق الأوسط.. إيران بين مواجهة واشنطن وتصفية الحساب مع الخليج
اسحاق الحميري

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد والتوتر في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى وذلك لأن الهجمات التي استهدفت مواقع إيرانية خلال الاسبوعين الماضيين لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة بل كانت معركة حقيقية من خلال المعطيات التي نتجت عن الحرب من استهداف المرشد إلى استهداف القيادات العليا سوء العسكرية أو الأمنية منها وهو ما فتحت أبواب واسعًا من التكهنات حيث يمكن اعتبر ما يحصل حاليا ليس حرب إيرانية أمريكية إسرائيلية بل صراع إقليمي لانه مدى تأثيره وصل فعلاً إلى دول الخليج العربي والاردن عبر استهدافها تحت ذريعة القواعد الأمريكية فيما وصل اثر هذه الحر إلى لبنان واليمن والعراق عبر شبكة النفوذ الإيراني المعروفة بما يسمى “محور المقاومة”.
هذا التصعيد كشف في الوقت ذاته جانبًا آخر من المشهد الإقليمي، يتمثل في طبيعة العلاقة الإيرانية مع دول الخليج، حيث بدت طهران في خطابها وكأنها توجه رسائل تهديد غير مباشرة إلى هذه الدول ولكن الرد العسكري باستهداف هذه الدول الذي لم يقتصر على القواعد الأمريكية كما تزعم إيران بل طال البنية التحتية لدول الخليج من خلال استهداف المؤانى والمطارات وغيره واستمرار تهديدها باستهداف النفط ومركز النفط هذا التعصيد من قبل إيران تجاه دول الخليج اثر واعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة: هل هو مشروع دفاعي كما تدعي طهران، أم أنه مشروع توسع ونفوذ يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط؟
حرب تتجاوز حدود إيران
إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران جاء بعد سنوات من التوتر المتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي وبعد جوله كانت قصيرة نوعاً ما برغم الخسائر الكبيرة التى منيت بها إيران ولكنها استمرت 12 يوما فقط ولكن اللافت في هذه الجولة من التصعيد أن إيران لم تحصر خطابها أو ردها في إطار المواجهة المباشرة مع واشنطن وتل أبيب بل وسّعت دائرة التهديد لتشمل دولًا في الخليج حيث وجهة لبعض من دول الخليج تهمة دعم أو تسهيل العمليات العسكرية ضدها.
إن الخطاب الإيراني في ظل المتغيرات يعكس حالة من التوتر العميق بين إيران وجيرانها العرب ويكشف حجم الشكوك التي تحملها طهران تجاه دول الخليج، رغم محاولات التقارب الدبلوماسي التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة خصوصا الاتفاق الايراني السعوديه برعاية صينية
محور المقاومة.. أوراق إيران في المنطقة
لطالما اعتمدت إيران في استراتيجيتها الإقليمية على شبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة معها في عدة دول عربية. وتشمل هذه الشبكة حزب الله في لبنان، وفصائل مسلحة في العراق أبرزها الحشد الشعبي، إضافة إلى مليشيات الحوثي في اليمن.
هذه الجماعات تُقدَّم في الخطاب الإيراني باعتبارها جزءًا من “محور المقاومة” ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها في الواقع تمثل أدوات نفوذ إيرانية تُستخدم للضغط السياسي والعسكري في المنطقة.
ومع اندلاع المواجهة الأخيرة، ارتفعت حدة التصريحات من بعض هذه الجماعات حيث دخلت فصائل عراقية المواجهة بعد حديثها عن أن “ساعة الصفر اقتربت” من خلال المشاركة في استهداف بعض القواعد الأمريكية حسب زعمها في المنطقة والعراق بينما تحرك حزب الله اللبناني فعلا على الأرض من خلال مشاركته في رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل تتزامن مع الموجات التى يطلقها الحرس الثوري الإيراني وهو ما يؤكد أن غرفة العمليات مشتركة وواحده وقبل تدخل حزب الله برد اسرائيل قد يكلف لبنان خسارة أجزاء من ارض الجنوب بسبب تهور حزب الله وهو ما تحدث عنه مسؤولين لبنانيين أو اسرائيلين.
الحوثيون وموقف ضبابي
في اليمن، بدا موقف مليشيات الحوثي المصنفة إرهابية والمدعومة من إيران أكثر ضبابية برغم أن الجماعة أصدرت العديد من بيانات التضامن مع إيران وتصريحات تهديدية وأعلن ساحة الصفر قد اقترب وحشد شعبي في مناطق سيطرتها الى أن الجماعه لم تُقدم حتى الآن على خطوات عسكرية كبيرة مرتبطة بالأحداث الأخيرة.
هذا الموقف الضبابي اثار تساؤلات حول مدى استعداد الحوثيين للدخول في مواجهة إقليمية أوسع، خاصة في ظل الأوضاع الداخلية المعقدة في اليمن والضغوط الدولية المتزايدة على الجماعة لكن في المقابل يمكن القول أن الحوثيين يحتفظون بورقة استراتيجية قد تستخدم في أي تصعيد إقليمي، تتمثل في موقع اليمن الجغرافي المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
باب المندب.. الورقة اليمنية
في الحديث عن الحوثي فان الحديث سوف يكون عن مضيق باب المندب الذي يشكل نقطة استراتيجية أخرى في الصراع الإقليمي، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن ويعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.
وقد شهد هذا المضيق خلال السنوات الماضية عدة هجمات على سفن تجارية وناقلات نفط كانت مليشيات الحوثي هي من تقف خلف بعضها وهذا الأمر يثير فعلاً مخاوف دولية من تحول الممر البحري إلى ساحة صراع مفتوحة.
أنه وفي حال اتساع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودخول الحوثي رسميا فيها فإن مضيق باب المندب سوف يصبح أحد أهم مسارح الصراع المباشر أو غير المباشر
هل تدفع المنطقة ثمن صراع أكبر؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين اليوم هو ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو حرب إقليمية واسعة، أم أن ما يجري هو فقط لأجل الضغط وتمرير سياسات وارغم دول على التوقيع وتغير قناعات فقط؟
لكن وفي ظل شبكة التحالفات والصراعات المتداخلة في الشرق الأوسط تبدو احتمالات التصعيد قائمة لكن في الوقت ذاته تدرك معظم القوى الإقليمية والدولية أن أي حرب واسعة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
ومع ذلك فإن الأحداث الأخيرة أعادت تسليط الضوء على هشاشة التوازنات في المنطقة وعلى الدور الذي تلعبه الصراعات بالوكالة في إبقاء الشرق الأوسط على حافة الانفجار.
اخيرا وفي قلب هذا المشهد المعقد تبقى دول الخليج واليمن والعراق ولبنان ساحات محتملة لتجاذبات القوى الإقليمية في صراع يبدو أنه قد يصل اخيرا إلى فصوله الأخيرة.



