كتابات و اراء

“الست موناليزا”.. دراما تكشف خفايا العلاقات الزوجية القائمة على الخداع

أميرة اليوسفي

في كل موسم رمضاني تحاول الدراما المصرية الاقتراب أكثر من واقع المجتمع وتسليط الضوء على قضاياه الأساسية، فهي لا تكتفي بتقديم الترفيه بقدر ما تسعى إلى طرح قضايا تمس حياة الناس اليومية وتفتح باب النقاش حولها. وعلى مدار عقود طويلة أصبحت المسلسلات المصرية مساحة لعرض هموم المجتمع وأسئلته الاجتماعية والإنسانية، وهو ما يجعلها حاضرة بقوة في وجدان الجمهور العربي.

وسط هذا السياق يبرز مسلسل “الست موناليزا” كأحد الأعمال التي لفتت الانتباه خلال الموسم الرمضاني الحالي، حيث تصدّر قوائم الأعمال الأكثر تداولًا على منصات التواصل الاجتماعي، وحقق نسب مشاهدة مرتفعة على منصة شاهد في عدد من الدول العربية والأوروبية، مثل مصر والعراق واليمن وليبيا وتونس والسودان وفرنسا، إضافة إلى دخوله قائمة الأعمال الثلاثة الأولى في السعودية والأردن والجزائر. هذا الانتشار يعكس حجم الاهتمام الذي حظي به العمل، سواء من حيث قصته أو الجدل الذي أثاره بين المتابعين.

ينتمي المسلسل إلى الدراما الاجتماعية المشوقة، ويتكوّن من خمس عشرة حلقة فقط، الأمر الذي منح أحداثه إيقاعًا سريعًا ومكثفًا. تدور القصة حول فتاة بسيطة من مدينة الإسماعيلية تجد نفسها منجرفة نحو زواج يقوم على الخداع والطمع، قبل أن تتحول حياتها إلى سلسلة من الأزمات داخل بيئة أسرية قاسية تعزلها عن محيطها العائلي والاجتماعي. ومع تصاعد الأحداث تبدأ البطلة رحلة صراع مع الواقع ومحاولة البحث عن مخرج من هذه الحياة المعقدة.

يعتمد العمل في بناء أحداثه على تقنية الفلاش باك، حيث يعود بالمشاهد إلى الماضي لفهم تفاصيل القصة وتطوراتها. كما يطرح فكرة درامية مثيرة للجدل تتمثل في جمع البطلة بين زوجين في مسار سردي غير مألوف نسبيًا، وهو ما يضيف إلى العمل قدرًا من الغموض والتشويق ويجعل الجمهور في حالة ترقب دائم لمعرفة حقيقة ما يجري.

ومع أن المسلسل نجح في جذب الجمهور بفضل إيقاعه السريع وقصته المثيرة، فإنه لم يسلم من الانتقادات. فقد أثار وضع عبارة “عن قصة حقيقية” في تتر البداية نقاشًا واسعًا بين المتابعين، إذ رفع ذلك سقف توقعات الجمهور بشأن واقعية التفاصيل. وأشار بعض النقاد والمشاهدين إلى وجود ثغرات درامية، من بينها غياب دور أهل البطلة في متابعة حياتها بعد الزواج، إضافة إلى بعض التفاصيل الاجتماعية والقانونية التي بدت غير منسجمة مع الواقع، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى التزام العمل بالواقعية التي أعلن عنها منذ البداية.

يحمل عنوان المسلسل “الست موناليزا” دلالة رمزية لافتة، فهو يحيل إلى لوحة الموناليزا الشهيرة للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي، وهي لوحة ارتبطت عبر التاريخ بالغموض وتعدد التأويلات. ويبدو أن صناع العمل حاولوا إسقاط هذا المعنى على شخصية البطلة، التي تظهر في بداية الأحداث شخصية غامضة يصعب فهم دوافعها الحقيقية، قبل أن تتكشف جوانبها النفسية والإنسانية تدريجيًا مع تطور الحكاية.

في جوهره يسعى المسلسل إلى طرح قضية اجتماعية حساسة تتعلق بالعلاقات الزوجية التي تقوم على الخداع والمصالح، وما يمكن أن ينتج عنها من أزمات نفسية وإنسانية عميقة. فالعلاقة التي تُبنى على الكذب أو غياب الاحترام المتبادل غالبًا ما تكون مهددة بالانهيار، كما أن ضعف الوعي في اختيار الشريك قد يقود إلى نتائج مؤلمة. ومن خلال هذه الفكرة يحاول العمل توجيه رسالة واضحة حول أهمية الصراحة داخل العلاقات الزوجية، وضرورة وجود دعم أسري واجتماعي يحمي الأفراد من الوقوع في مثل هذه الأزمات.

وفي المحصلة قد لا يكون مسلسل “الست موناليزا” عملاً مثالياً من الناحية الفنية، لكنه نجح في إثارة نقاش واسع حول طبيعة العلاقات الإنسانية وتعقيداتها، وهو ما يعكس استمرار الدور الذي تلعبه الدراما المصرية في طرح قضايا المجتمع وفتح المجال أمام الحوار حولها، لتظل الدراما أداة للتأمل الاجتماعي بقدر ما هي وسيلة للمتعة الفنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى