
في الحرب المندلعة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، أصبح الخليج العربي جزءاً من مسرح هذه الحرب منذ الساعات الأولى لاندلاعها، باستهدافاتٍ متتابعة شملت كلاً من “الرياض، أبو ظبي، الدوحة، المنامة، الكويت…”، وحتى مسقط؛ أحد الوسطاء بين طرفي الصراع قُبيل اندلاع الحرب، استُهدفت هي الأخرى بصواريخ ومسيّرات الحرس الثوري والجيش الإيراني؛ رداً على الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، حسب ما جاء في تصريحات “عراقجي” و”لاريجاني”.
لكن، لماذا هذا الزخم التصعيدي الإيراني تجاه دول المنطقة، ومعظمها كانت قد منعت الولايات المتحدة من استخدام أراضيها أو أجوائها لضرب طهران؟ وما الرد الذي تتخذه -أو ستتخذه- دول المنطقة على هذه الاستهدافات؟
لا غرابة في قرارات إيران باستهداف القواعد الأمريكية في دول المنطقة كافة، وهي التي حذّرت من ذلك ومن توسيع رقعة الحرب إذا ما شنت “تل أبيب” وواشنطن ضرباتٍ عسكرية تمس سيادتها وبنيتها العسكرية. ففي فترة الدبلوماسية القائمة بين الطرفين، والتي كان آخرها جلسة انعقدت في جنيف صباح الخميس 26 فبراير، وبقي الأمل معقوداً لعقد جلسةٍ أخرى عقب يومين من ذلك التاريخ، لعب كلٌّ من “نتنياهو” و”ترامب” خلف الستار “لعبة الثعلب” التي مارستها الولايات المتحدة في حروبٍ كثيرة؛ مما جعل صباح سبت طهران يشرق على مئات الطائرات الحربية الإسرائيلية والأمريكية وهي تلقي حمولتها على أهدافٍ عدة، كان أبرزها اغتيال المرشد الأعلى “آية الله خامنئي” ومعه عشرات القادة والشخصيات العسكرية أثناء اجتماعهم.
هذا التجاوز وانتهاك سيادة الجمهورية الإيرانية جعلها ترد بلا هوادة على “تل أبيب” والقواعد الأمريكية في دول الجوار، معلنةً عن حربٍ حذّرت منها الجميع. لكن ما يثير العجب لدى كثيرين هو تطور الاستهدافات الإيرانية إلى أهدافٍ وبُنى غير أمريكية في دول الخليج العربي، ليصبح المشهد معقداً ومحملاً بالكثير من التفسيرات.
يرجح خبراء اقتصاديون أن استهداف المنشآت النفطية الخليجية جزءٌ من خطة إيران لخلق أزمة عالمية، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز واستخدام ذلك كورقة ضغط عالمي على الولايات المتحدة لوقف الحرب والانسحاب. بينما يرى سياسيون أن لدى إيران معلومات بأن العمليات العسكرية حظيت بتأييد وموافقة خليجية. وآخرون يرون أن استهداف المنشآت المدنية في الخليج قد يكون لإسرائيل والولايات المتحدة يدٌ فيه، لإقحام المنطقة في صراع مع الجمهورية الإسلامية، ثم الانسحاب بعدها معلنةً عن استكمال القضاء على أهدافها في طهران، ليبقى الصراع “خليجياً-خليجياً” (بين الضفتين العربية والفارسية)، وتُفتح في المنطقة أسواقٌ لبيع الأسلحة الأمريكية.
تُدين دول الخليج الاستهدافات كافة التي تتعرض لها بشكل يومي، ولا تقبل أيّاً من المبررات، وتؤكد أنها تحتفظ بحقها في الرد. كما يدرك قادتها أن ردهم العسكري على إيران هو إعلانٌ لحرب باهظة الثمن، ومرغوبة جداً لـ “ترامب” و”نتنياهو” ليشاركوهما عبء تكلفة حربٍ ربما لم تكن في الحسبان. ويرى نشطاء خليجيون أن هذا الوقت هو الأنسب لتقليص التواجد الأمريكي في المنطقة، واستغلال هذه الحرب للصالح الخليجي والعربي عبر التخلص من الذرائع التي تستخدمها طهران لشن هجماتها، والرد بعد ذلك إن استمرت الضربات الإيرانية.
ويبقى السؤال في ظل هذا السيناريو المعقد: هل ستنجح دول الخليج في الحفاظ على “شعرة معاوية” وتجنب الانزلاق إلى حرب استنزافٍ إقليمية مباشرة، أم أن خيار “تصفير القواعد الأجنبية” سيصبح المخرج الوحيد لنزع فتيل الذرائع الإيرانية؟



