
ما جرى في كورنيش الغيضة ليلة أمس، لا يمكن التعامل معه كحادثة أمنية عادية، ولا كعمل عشوائي أو تصفية ثأرية. طريقة التنفيذ وحدها تفرض قراءة مختلفة: استهداف فرد محدد داخل سيارته، بضربة دقيقة من الأعلى، في مكان عام مزدحم بالزوار، من دون تسجيل أي إصابة جانبية..! هذه ليست علامات فعل مرتجل، ولكنها نمط معروف من العمليات التي تُبنى على معلومات مسبقة ويتم تُنفيذها بقرار محسوب. هذه البصمات تشبه توقيع فنان(الرسم) على لوحته، توقيع إثبات الملكية الإبداعية لرسام اللوحة.
واللافت في هذه الحادثة ليس الدقة فحسب، بل أيضاً هناك نظافة في التنفيذ. ومن المعروف عادةً أن الجهات غير المحترفة تترك أثرًا واضحًـا: انفجارًا أوسع، رسالة إعلامية، أو تبنيًا مباشرًا للعملية. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ ضربة صامتة وسريعة، انتهت في لحظتها وحققت الهدف. هذه النقاط تجعلنا نستبعد فرضية أن يكون الفاعل محلي، وتقربنا من جهات تعمل بقدرات متطورة، وبعقل الدولة أو تحت مظلتها. فالفوضى غالبًا ما تكون بصمة المليشيا، أما النظافة الجراحية، هي بصمة جهاز استخبارات واثق من أدواته ومن شرعية الهدف في نظره.
ثم إن اختيار المكان لا يبدو صدفة عابرة. فالعملية نُفذت في قلب مدينة مفتوحة، وداخل محافظة تدار أمنيًا بحساسية عالية بسبب موقعها على حدود دولتين من أهم دول المنطقة. لذلك، فإن اتخاذ قرار بتنفيذ عملية من هذا النوع داخل الغيضة يفترض وجود قناعة تامة لدى الفاعل بأن المخاطرة محسوبة. لكن، هذه القناعة لا تأتي من فراغ، وأنما من امتلاك “ملف كامل” يبرر الفعل ويحصنه سياسياً. وهنا يظهر السؤال الأهم: من هو الطرف الذي يملك بنك معلومات يسمح له بأن يضغط زر التنفيذ بهذه الثقة؟؟
أما هوية الشخص المستهدف، فكونه مواطنًا صوماليًا هذا يفتح باب الاستقراء وليس الاتهام، وأكرر باب الاستقراء وليس الاتهام. فالصومال، بحكم موقعه الجغرافي، يكون حاضر دائمًا في تقاطعات الأمن البحري، وحركة الأفراد، وشبكات التهريب. ولكن، هذا لا يعني بالضرورة انتماءً لتنظيم، بقدر ما يشير إلى أن الرجل—على الأرجح—كان محسوبًا داخل ملف أمني عابر للجغرافيا، وأن قرار تصفيته جاء لمنع دورٍ مـا، أو ربما لإغلاق مسار، أو لإسكات معرفة. ففي هذا العالم، قد لا يُقتل الأشخاص كأفراد، وإنما تُقتل الوظائف التي يؤدونها داخل الشبكة.
بناءً على ما سبق، يبدو لي أن أقرب السيناريوهات للمنطق: “أن العملية نُفذت بإمكانيات لا تتوفر إلا لجهة دولية أو إقليمية. وأن حالة الصمت الذي رافق الحدث، وغياب أي تبنِ للعملية، يعززان صحة هذا السيناريو بشكل كبير”.
الخلاصة، أن ما حدث ليس رسالة أمنية موجهة للجميع، بل إجراء محسوب داخل صراع صامت. وبالتالي من يقرأ المشهد من هذه الزاوية قد يدرك أن اسم الفاعل قد لا يُعرف قريبًا، لكن بصماته واضحة بما يكفي لمن يعرف كيف يقرأ الأحداث دون انفعال. وما يبدو اليوم من هدوء قد يكون السكون الذي يسبق العاصفة، وربما مؤشراً مبكراً على أن محافظة السـلام (المهرة) قد تم إدراجها قسراً في معادلة الصراع الكبرى، وأن قواعد اللعبة فيها قد تغيرت إلى الأبد….وهذا ما نخشاه جميعاً.



