كتابات و اراء

رمضان بين ضفتين.. أصالة الروح في ذاكرة الأمس واغتراب الطقس في مرآة اليوم

هديل محمود

بينما نراقب اليوم هلال رمضان من خلال شاشات الهواتف وتطبيقات المواقيت الدقيقة، ونستقبله بزينة جاهزة تُشترى من الأسواق، تبرز في الذاكرة الجمعية صورة مغايرة تماماً لزمانٍ لم يكن فيه الشهر مجرد رقم في تقويم، بل حالة وجدانية تبدأ بالتشكل قبل حلوله بأسابيع.

في ذلك الزمن الجميل، كان رمضان يدخل البيوت عبر رائحة “النورة” التي تُطلى بها الجدران لتستعيد بريقها، وعبر حناء النساء التي ترسم معالم الفرح على الأكف، وعبر اجتماع كبار القوم فوق رؤوس الجبال يرقبون ولادة النور في عتمة السماء، في مشهد يكرس التحام الإنسان بالطبيعة وبالخالق في آن واحد.

لقد كان الصوت هو بوصلة الصائمين ومؤنسهم؛ فالمسحراتي لم يكن مجرد منبه بشري، بل كان حافظاً لتاريخ الحي، يحمل في صدره ذاكرة عامرة بالأسماء والوجوه، ينادي كل نائم باسمه وكأنه فرد من عائلته، يوقظ فيهم روح الجماعة قبل أن يوقظهم للسحور.

أما اليوم، فقد انزاح هذا الصوت الشجي لصالح نغمات الهواتف الباردة، وبقي الاسم غائباً عن النداء، لتغيب معه تلك الألفة التي كانت تربط الفرد بمحيطه.

هذا التحول الرقمي لم يغير التوقيت فحسب، بل غير طبيعة “الصحبة” في تلك الساعات السحرية التي تسبق الفجر.

وعلى الموائد، كانت الحبوب المحلية من “الغرب” و”الذرة” و”الهند” هي سيدة الموقف، حيث تُطحن بصبر على الصخور الحجرية لتعطي الدقيق نكهة الأرض.

ويظل “الشفوت” المتوج باللحوح اليماني الأصيل والمسقى بالحقين الممزوج بالثوم والكبزرة، هو السيد الذي لا ينازعه أحد على عرش المائدة، وإلى جواره الشوربة التي نضجت لساعات طوال على لهب الحطب في “الموقد”، فامتصت رائحة الخشب وتاريخ المكان.

كانت تلك الموائد ساحات للشركة الإنسانية؛ فالجار يقاسم جاره، والغريب يجد له مكاناً محفوظاً، والكل يكسر الخبز بيده في وحدة حال تلاشت اليوم خلف جدران المنازل التي تحولت إلى جزر منعزلة، حيث تسيطر الشاشات الصامتة على الأجواء، ويقلّ فيها الضجيج الإنساني الدافئ لصالح صخب المحتوى الرقمي.

وفي تفاصيل النهار والمساء، كان لرمضان إيقاع اجتماعي مهيب؛ فمن حلقات تلاوة القرآن في المساجد بعد العصر، إلى تجمعات الرجال في المرتفعات لمراقبة الغروب، وصولاً إلى جلسات “السمرة” والإنشاد الصوفي الذي يمجد الشهر الكريم.

كانت الحكايات في تلك المجالس دروساً في الحياة، تُروى عن أول صيام لطفل أو عن قصص الصبر والفرج، بعيداً عن ضجيج السياسة وأخبار العالم المزعجة.

اليوم، تقزمت تلك الحكايات لتصبح رسائل قصيرة ومقطوعة، تفتقر إلى البدايات المتمهلة والنهايات المشبعة بالحكمة، تماماً كما تغيرت فرحة الأطفال الذين كانوا يستقبلون الشهر بالأهازيج الشعبية والأراجيح الخشبية، وينتظرون ثياب العيد وكأنها وسام استحقاق لصبرهم، بينما اليوم يختصرون العيد في إعلان تجاري عابر.

ومع اقتراب الرحيل، تشتد لوعة الوداع فيما يُعرف    بـ “الوحشة”، حيث تفيض المساجد بالتواشيح الحزينة التي تودع شهر البر والغفران. وفي تلك الأيام الأخيرة، تمتزج رائحة السمن البلدي المنبعثة من “المدار” أثناء تجهيز كعك العيد والغريبة، بروحانية التعبد في العشر الأواخر.

ورغم أن الكهرباء قد أضاءت العتمة، وتغيرت الكثير من أدوات الحياة، إلا أن الهوية الحقيقية لرمضان في مناطق كمدينة تعز، لا تزال تقاوم الاندثار، متشبثة بوعاء “الملحة” الفخاري الذي يخبز اللحوح، وبنكهة الشوربة التي لا يتقن سرها إلا الحطب، لتظل هذه العادات هي الحبل السري الذي يربط حاضرنا المسرع بماضٍ كان فيه الإنسان أكثر هدوءاً وأعمق صلة بأخيه الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى