كتابات و اراء

نصف ساعة في مهب الريح

د/أمين الحاشدي

​تشير الساعة في معصمي إلى العاشرة تماماً، بينما أغرق في لجة أعمالي بكلية الآداب -كمتعاقد-.

فجأة، همست عقارب الساعة في أذني: “طلابك في قسم التسويق بجامعة الجند في انتظارك”.

​لملمت أوراقي على عجل من فوق مكتبي، وإذا بهاتفي يرن؛ إنه “المندوب” يذكرني: “دكتور، نحن جاهزون”. كنت قد طلبت منهم سابقاً ألا أدخل القاعة حتى يتم تجهيز الشاشة والحاسوب.

في تلك اللحظة، استقليت “ريحاً” -دراجة نارية- لأصل إلى بوابة الجامعة. نظرت إلى ساعتي؛ لم يتبقَّ سوى ثلاث دقائق على الموعد خاطبتُ خُطاي المتعثرة: “يا رباه! أعن هذا الخمسيني على صعود الدور الخامس”.

​استجمعت قواي، وتركت البوابة خلف ظهري، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا ألقي التحية على طلابي في القاعة.

جلست على الكرسي أقلب صفحات اللابتوب، أحاول مواراة ملامحي المتعبة خلف الشاشة.

أخذتُ شهيقاً عميقاً وأتبعته بزفير طويل، ثم أخرجت كل ما في جعبتي من معرفة، بينما كان صرير أقلامهم في ماراثون الكتابة يسابق أنفاسي.

​حين دنت لحظة الوداع، ولم أكن أشتهي فراقهم، أردتُ خاتمةً تترك أثراً في النفوس؛ فتذكرت “الذكاء الاصطناعي” الذي سبرنا أغواره مع المدرب الرائع فاروق الكمالي.

تذكرت أنني لخصت أوراق المحاضرة في فيديو اصطناعي، فكان هو مسك الختام للمحاضرة والتكليف معاً.

​مضيتُ عائداً إلى زحمة الحياة، لألتقي بابني “أحمد” الذي نسيتُ تماماً أنه ينتظرني في ساحة الجامعة. بادرني قائلاً: “كم الساعة في يدك يا أبي؟”.

قلت: الحادية عشرة والنصف. فقال: “بل إنها الثانية عشرة!”.

​هنا فقط أدركت أن ساعتي “المعطلة” قد سرقت نصف ساعة من حصة طلابي تلك الدقائق لم تكن مجرد وقت ضائع، بل هي رمزٌ لعمري الذي أفنيته في لأواء هذه الحياة، بين الألم والأمل، سعياً خلف شهادة لم أرد منها إلا أن تكون عنواني ورسالتي لخدمة ديني وضميري؛ لكن رياح مأساة وطني تأتي دائماً بما لا تشتهيه سفن أيامي.

​هذا هو حال الكثير من زملائي، يقتاتون شظف العيش بصمت. فواعجباً لهذه الحياة؛ تنظر إليك العيون كأكاديمي بكل تقدير ومهابة، وهي لا تدري شيئاً عن تفاصيل حياتك وما تخفيه خلف تلك المهابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى