كتابات و اراء

قرارات فخامة الرئيس العليمي حين تتحول القيادة من إدارة الأزمة إلى صناعة الدولة

قيس المعافري

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قرارات القادة بقدرتها على تهدئة الضجيج الآني، بل بقدرتها على كسر الحلقة المفرغة التي أبقت الدولة رهينة للأزمات. ومن هذا المنظور، تبدو قرارات الرئيس الأخيرة أبعد من كونها ردود فعل على أحداث متلاحقة، وأقرب إلى ملامح مشروع سياسي يسعى لصياغة مرحلة جديدة في مسار الدولة الوطنية.

طوال سنوات الحرب، جرى التعامل مع الدولة كحالة مؤقتة تُدار بالتسويات، لا ككيان سيادي يجب استعادته بالكامل، وتم تسويق إدارة التوازنات بوصفها حلًا واقعيًا، بينما كانت في حقيقتها سببًا مباشرًا في إضعاف مؤسسات الدولة، وتشجيع تعدد مراكز القرار، وتكريس منطق النفوذ خارج إطار القانون.

اليوم، توحي قرارات الرئيس بأن هذا المسار بلغ نهايته، فثمة إدراك متأخر لكنه ضروري بأن استمرار الدولة كواجهة شكلية لم يعد مقبولًا، وأن الشرعية لا يمكن أن تظل أسيرة حسابات الأطراف أو رهينة الخوف من الصدام مع مراكز القوة غير المنضبطة.

ما يلفت الانتباه في هذه القرارات ليس مضمونها فقط، بل توقيتها ورسائلها؛ فهي تصدر في لحظة يختبر فيها اليمنيون جدية قيادتهم في الانتقال من خطاب استعادة الدولة إلى ممارستها فعلًا، وهي رسالة مزدوجة للداخل بأن زمن الدولة الغائبة يقترب من نهايته، وللخارج بأن الشراكة مع اليمن لا يمكن أن تستقيم إلا عبر مؤسسات رسمية وقرار سيادي موحد.

بطبيعة الحال، لن تمر هذه القرارات دون مقاومة، فكل مسار إصلاحي حقيقي يهدد مصالح راسخة، ويكشف هشاشة قوى اعتادت العمل في مناطق رمادية بين الدولة واللا دولة، لكن كلفة التراجع عن بناء الدولة تظل أعلى بكثير من كلفة المواجهة معها.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في إصدار القرارات بحد ذاتها، بل في حمايتها وتنفيذها، وتحويلها إلى مسار تراكمي يعيد الاعتبار للقانون، وينهي ازدواجية السلطة، ويضع السلاح تحت مظلة الدولة لا العكس؛ فالدولة لا تُبنى بالنوايا الحسنة، بل بالإرادة السياسية والقدرة على فرضها.

في المحصلة، نحن أمام لحظة فارقة: إما أن تتحول قرارات الرئيس إلى حجر الأساس لمرحلة الدولة الوطنية، أو أن تُفرغ من مضمونها تحت ضغط الأمر الواقع. لكن المؤكد أن اليمن لم يعد يحتمل المزيد من أنصاف الحلول، وأن طريق الدولة مهما كان شاقًا يظل الخيار الوحيد لإنهاء معاناة شعب أنهكته الفوضى وطول الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى