
لقد أدركت القيادات والشخصيات الجنوبية التي لبّت الدعوة إلى المملكة العربية السعودية حقيقةً جوهرية طالما حاولت بعضُ الأصوات تجاهلَها: أن الجنوب، بكل ما يحمله من تضحيات جسيمة وقضايا عادلة، لا يمكن أن يُدار بمنطق القطيعة، ولا بسياسات فرض الأمر الواقع، ولا عبر المزايدة السياسية التي تستهلك القضية ولا تخدمها؛ بل إن إدارته الحكيمة لا تكون إلا بالحوار بوصفه خيارًا عقلانيًا وحضاريًا، يحفظ الحقوق ويمنع الانزلاق نحو صراعات داخلية مدمرة تستنزف الإنسان والأرض معًا.
فالذهاب إلى طاولة الحوار في هذا التوقيت الحرج لم يكن خطوة سهلة أو محسوبة المكاسب، بل قرارًا شجاعًا ينطوي على كلفة سياسية ومعنوية عالية، وهو قرار اتخذته هذه القيادات وهي تدرك مسبقًا حجم حملات التشكيك والتخوين التي غالبًا ما تُشن ضد كل من يختار طريق التفاهم بدل التصعيد، والعقل بدل الانفعال، والمصلحة العامة بدل المكاسب الآنية. ومع ذلك، فضّلت أن تتحمل عبء القرار التاريخي على أن تتحمل وزر الصمت أو الهروب من المسؤولية.
إن الاستجابة للدعوة السعودية تعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة وتعقيداتها، وإدراكًا صريحًا بأن الجنوب ليس كيانًا معزولًا عن محيطه، بل جزء أصيل من معادلة الاستقرار في اليمن والمنطقة. كما تعكس فهمًا متقدمًا لدور المملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل سياسي ودور محوري في دعم الشرعية ومساعي السلام، حيث وفّرت إطارًا مسؤولًا للحوار لا يهدف إلى فرض حلول جاهزة، بل إلى تقريب وجهات النظر، وتهدئة التوترات، وفتح مسارات سياسية عقلانية تتيح للجنوبيين التعبير عن تطلعاتهم المشروعة ضمن رؤية شاملة تحمي الدولة من التفكك، وتجنب المنطقة تداعيات الفوضى.
سياسيًا، يحمل هذا الموقف رسالة بالغة الوضوح: أن القيادات الجنوبية الحاضرة في هذا المشهد ليست أسيرة للشعارات الرنانة، ولا رهينة للحسابات الضيقة، ولا وقودًا لمعارك عبثية، بل هي قيادات قادرة على تغليب المصلحة العامة، وقراءة موازين القوى بواقعية، والتعامل مع السياسة بوصفها فن الممكن لا مسرحًا للمزايدات. وهو تأكيد صريح على أن العمل السياسي الرشيد لا يُقاس بحدة الخطاب ولا بعلو النبرة، بل بقدرته على تحقيق المكاسب الممكنة، وتقليل الخسائر، وحماية المجتمع من الانقسام والعنف والانهيار.
وطنيًا، يعيد هذا السلوك الاعتبار لقيمة الحوار كأداة أساسية لحل الخلافات، ويضع حدًا لمحاولات تحويل الجنوب إلى ساحة صراع دائم أو ورقة ضغط وابتزاز سياسي تُستخدم عند الحاجة ثم تُحرق. فالحوار، حين يُدار بإرادة صادقة وضمانات حقيقية، لا ينتقص من عدالة القضايا ولا يفرغها من مضمونها، بل يمنحها قوة إضافية وشرعية أوسع، ويكسبها دعمًا إقليميًا ودوليًا يصعب تجاهله أو القفز عليه.
في المحصلة، جسدت القياداتُ والشخصياتُ الجنوبيةُ التي لبّت الدعوة إلى المملكة نموذجًا متقدمًا في الشجاعة السياسية والمسؤولية الوطنية حين اختارت الانحياز للمستقبل لا للماضي، ولحماية الجنوب لا للمغامرة به، وللعقل لا للفوضى. لقد اختارت طريق الحوار لا بوصفه تنازلًا، بل باعتباره الخيار الأكثر عقلانية لحفظ الحقوق وصون الدماء وبناء أفق سياسي يليق بتضحيات الجنوبيين وتطلعاتهم المشروعة.
وهو موقف لا يمثل محطة عابرة في سياق سياسي مضطرب، بل علامة فارقة في مسار البحث عن حل عادل ومستدام، لا للجنوب وحده بل لليمن بأسره؛ حل يؤسس لدولة قادرة، ومجتمع متماسك، ومستقبل لا تُدار فيه القضايا الكبرى بمنطق الغضب، بل بحكمة الشجعان.



