كتابات و اراء

على من تقرع أجراس النهب؟

مشتاق هاشم العلوي

أنظر حولي وأبحث عن كلمة تصف ما ارى، فيخونني الحرف وتهرب مني اللغة. كيف أكتب عن وطن يُسرق في وضح النهار؟ كيف أصف مشهداً تجاوز في بشاعته كل كوابيسنا؟
يقول الناس: يجب أن يفرضوا حظر التجول، لكي تخلو الشوارع من الحركة، ولا يبقى إلا أزيز الرصاص الصدئ وصوت الجنازير تدهس أصحاب النفوس المريضة. يظنون أنهم بحظر التجوال يمكنهم أن يعيدوا النظام، لكنهم لا يدرون أن النظام الذي انهار لم يكن في الشارع، بل كان في الروح..!!
ما جدوى حراسة مدينة من الحجر، إذا كانت المدينة التي تسكن أرواحنا قد سقطت بالفعل وتحولت إلى أطـلال؟

لا تسمحوا لأحد بأن يهوّن عليكم هول ما رأيتم. ما حدث في حضرموت والمهرة ليس مجرد فوضى عابرة. في تلك اللحظة التي وقفت فيها الأمة عارية أمام مرآتها، فرأت وجهها وقد غطاه الجذام، ويدها وقد تحولت إلى مخلب ينهش لحمها.

رأيناهم، يهرولون كالسعالى في ليل بهيم، لا ليسرقوا أثاثاً، بل ليسرقوا “الرمز”.
كل يد امتدت إلى محكمة لم تكن تسرق طاولة قاضٍ، بل كانت تسرق آخر خيط من ثوب العدالة المهترئ.
كل ذراع حطمت نافذة مدرسة لم تكن تكسر زجاجاً، بل كانت تكسر عين المستقبل التي ننظر بها.
كل لص تسلق جدار معسكر لم يكن ينهب بندقية، بل كان يغرس خنجراً في ظهر السياج الذي يحمينا من أنفسنا.

والأدهى من صخب اللصوص، هو صمت القديسين. صمتت النخب والمثقفون، لا لأن ألسنتهم عجزت، بل لأن أرواحهم تجمدت رعباً وهي ترى الوحش الذي ربّوه لسنوات بالصراعات الصغيرة والأحقاد التافهة، وقد كبر الآن بما يكفي ليلتهمهم جميعاً..!

وحين نسأل لمـاذا؟
كيف وصلنا إلى هذا الدرك الذي يرى فيه الابن في بيت أبيه غنيمة؟؟
نجد الجواب منقوش على وجوهنا الشاحبة. لقد وصلنا إلى هنا يوم أن رأينا «الدولة» تتحول من أمٍ حنون، إلى بقرة عجفاء يتسابق على نهش آخر ما تبقى من لحمها الكبارُ والصغار. يوم أن تعلمنا الدرس الأول في مدرستنا الوطنية: “إذا لم تكن ذئباً، أكلتك الذئاب”. فكيف نلوم من سرق جلداً بالياً، وقد رأى من يسلخ البقرة بأكملها ويبيعها في سوق النخاسة السياسية؟!

لقد أخطأنا الطريق يوم حصرنا معاركنا في من يجلس على الكرسي، ونسينا أن نبني قدسية الكرسي نفسه في قلوب أبنائنا.

الدولة، يا سادة، ليست اسماً في نشرة الأخبار. الدولة هي لحن خفي نعزفه جميعاً ليبقى الوطن متناغماً. هي خيط من نور يمسكنا معاً كي لا نتناثر كغبار في الريح. الدولة هي ذلك الإحساس الخفي بالطمأنينة وأنت تغمض عينيك ليلاً، واثقاً أن هناك “سقفاً” غير مرئي يحميك ويحمي أطفالك.
هذا السقف هو ما تصدّع. وهذا اللحن هو ما تمزق. وهذا الخيط هو ما انقطع.

اليوم، كل واحد منا مدعوٌ ليقف أمام ضميره العاري ويسأل: هل كنتُ اليد التي نهبت، أم العين التي شاهدت وصمتت، أم الصوت الذي صرخ في هذا الخراب الهائل؟
هل كنتُ من بارك الحريق في بيت جاري، ناسياً أن الريح ستحمل النار إلى بيتي لا محالة؟

إن حراسة ما تبقى من أعمدة هذا الهيكل المنهار هو أقدس أنواع الصلاة اليوم. فالدولة التي نتركها تُنهب اليوم، هي الأطلال التي سنتعثر بها غداً، وسنبكي عندها دماً بدل الدموع، ولن نجد سوى صدى بكائنا جواباً، وصورة وطن كان هنا ذات يوم، قبل أن نأكله بأيدينا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى