كتابات و اراء

ضحايا الفقر والجوع

عميد المهيوبي

في كل زاوية من أرض اليمن، روحٌ تسقط، ووجهٌ يغيب، أمٌّ تنام باكيةً، لا تعرف إن كان ولدها سيعود، أم أنها ستقرأ نبأ حتفه في الصحيفة الرسمية، أو في عاجلٍ على شاشة التلفزيون، قبل أن تحضنه للمرة الأخيرة، وتضع على جبينه القبلة الأخيرة فيساق إلى المقبرة دون وداع يليق به.

بنادقُ يمنيةٌ تتواجه بأخرى يمنية لا أحد يربح، ولا أحد يخرج منتصرًا، كل ما يحدث أن اليمن يخسر أبناءه واحداً تلو الآخر في حرباً ليست حربنا ولا نملك فيها قرارًا ولا مصلحة سوى أننا نموت ونقتل فيها، ونُدفن فيها بحثاً عن القوت.

حربٌ تتقاطع فيها مصالح قوى خارجية، فيما يُستدرج الفقراء إلى خطوط النار ليُقتلوا في معارك لا يعرفون بدايتها، ولا يرون لها نهاية. معارك لا تمثلهم، ولا تنتمي إلى أحلامهم، مدفوعة الأجر، تُدار من خارج الحدود، ولولا أن الفقر أرهقهم، والجوع أذلهم لما تسابقوا إلى بيع أرواحهم بثمن لا يكفي لسدِّ رمق أطفالهم وهم يدركون أنها حربٌ لا تزيدنا إلا خسارة، وأن كل رصاصةٍ تصيب صدرًا يمنيًّا، تخترق قلوبنا جميعًا.

إنها لعنةُ الفقر الذي يطرق الأبواب كل صباح، والجوع الذي يُضيّق الخناق، والعجز عن حماية الأطفال من الحاجة. كل ذلك جعل هؤلاء يذهبون وهم يعرفون أن الثمن قد يكون حياتهم، أو حياة أخٍ لهم يقف في الجهة الأخرى، ساقته الحاجة ذاتها، ودفعت به الظروف نفسها.

نحن نكابر حين نقول إننا نقاتل من أجل الوطن. نحن فقط نحاول أن نُقنع أنفسنا بأننا لم نُهزم، وأننا لم نُبع، وأننا لا نحارب من أجل غيرنا. لكن الحقيقة أن الوطن يتآكل، ونحن من نحفر له القبر بأيدينا.

هذا الاقتتال لا يُورثنا إلا مزيدًا من الوجع. لا يترك خلفه سوى أرامل، وأيتام، ومقابر جديدة. ولا أحد يسأل: إلى أين نمضي؟ ومن المستفيد؟ ولماذا لا نعود إلى رشدنا قبل أن نصحو على وطنٍ بلا أبناء، وأرضٍ بلا ملامح، وذاكرةٍ مثقلة بالندم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى