اخبار وتقارير

إسرائيل تفتح جبهة اليمن – صراع استخباراتي طويل الأمد مع الحوثيين

تيار نيوز- سكاي نيوز

في مشهد إقليمي يتّسم بتعقيدات متشابكة وتحوّلات استراتيجية متسارعة، أعلنت إسرائيل رسميًا دخول اليمن ضمن نطاق عملياتها العسكرية، لتفتح بذلك جبهة جديدة جنوب البحر الأحمر، وتؤكد أنّ المواجهة مع جماعة الحوثي لن تكون محدودة أو آنية، بل طويلة الأمد، تتطلب أدوات ردع واستخبارات متجددة، في ظل خريطة إقليمية أعادت توزيع أوراق النفوذ بعد تصاعد المواجهة مع إيران وأذرعها المسلحة في المنطقة.

من الرد إلى التخطيط.. تحوّل في العقلية الإسرائيلية

لم تكن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع في الحديدة مجرد ردود فعل عابرة على هجمات الحوثيين المتكررة، بل هي – كما وصفها مراقبون عسكريون – انتقال نوعي في العقيدة العملياتية لتل أبيب، من استراتيجية رد تكتيكي إلى خطة ميدانية طويلة الأمد.

فمصادر عسكرية إسرائيلية كشفت لقناة سكاي نيوز عربية أن “حسم المعركة ضد الحوثيين غير وارد في المدى القريب”، وهو ما يعني تبنّي خطة صراع مفتوح تشمل تشكيل غرفة عمليات خاصة، واستهداف قيادات بارزة ومواقع ذات طبيعة استراتيجية، تشمل مخازن السلاح، ومراكز الاتصالات، وربما منشآت الطاقة والبنية الاقتصادية التابعة للجماعة.

الحديدة هدف أول.. وضرب الاقتصاد الحوثي

التركيز الإسرائيلي على ميناء الحديدة ليس اعتباطيًا. هذا المنفذ الحيوي يشكل رئة الحوثيين الاقتصادية، ونقطة ارتكاز رئيسية لاستقبال الأسلحة والتمويلات الإيرانية، بحسب تقارير استخباراتية أمريكية وإسرائيلية.

الهجمات بالطائرات المسيّرة التي طالت الميناء مؤخرًا تؤكد بوضوح نية إسرائيل تعطيل خطوط الإمداد، وتوجيه ضربة موجعة للقدرات الاقتصادية للحوثيين، في سياق حرب ذكية تتجاوز النمط العسكري الكلاسيكي، وتعتمد تكتيك “الضرب في الخاصرة المالية”.

الفجوة الأكبر: تضاريس اليمن تبتلع الأقمار الصناعية

رغم تفوقها التكنولوجي وقدراتها في الحرب الإلكترونية، تعترف إسرائيل بأن اليمن تمثل تحديًا ميدانيًا مختلفًا تمامًا. التضاريس الجبلية الوعرة، وانتشار المنصات المتنقلة لإطلاق الصواريخ، وصعوبة رصد التحركات تحت غطاء المجتمع، كلها تشكل عائقًا أمام الاستخبارات الإسرائيلية.

حتى منظومة “القبة الحديدية”، التي أبهرت العالم بكفاءتها، تواجه معضلة عدم القدرة على تحديد مواقع الإطلاق بدقة، ما يفتح الباب أمام استخدام أدوات جديدة، من ضمنها عملاء محليين، وطائرات استطلاع ذات تقنيات متطورة، واعتماد أكبر على التنسيق مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وربما مع السعودية لاحقًا.

حرب رموز ومعركة روايات: إسرائيل تُبطل “نصرًا إقليميًا”

في سياق الحرب النفسية، تخشى تل أبيب من استخدام الحوثيين للانسحاب الإسرائيلي المحتمل من غزة كدليل على “ضعف العدو الصهيوني”، وتسويق ذلك داخل الجبهة الداخلية وفي محيط “محور المقاومة”. لذلك، ترى إسرائيل ضرورة في عزل الصراع اليمني عن المعارك الأخرى، والاستمرار في ضرب الحوثيين، ليس فقط عسكريًا، بل لتفكيك خطابهم الرمزي، وتفويت فرصة الاستثمار في الانتصارات المعنوية.

لا شعبية للحوثيين.. ولا تعاطف مع إسرائيل

من جانبه، أكد المحلل السياسي اليمني فواز منصر أن الشعب اليمني لا يرى في الحوثيين ممثلًا شرعيًا، بل يعتبرهم “خطرًا داخليًا تسبب في مقتل مئات الآلاف، وتفكيك مؤسسات الدولة”، موضحًا أن “اليمنيين لا يتعاطفون مع الحوثي ولا مع إسرائيل، بل يخوضون معركتهم الخاصة لاستعادة بلدهم من قبضة هذه الجماعة”.

هذا الموقف الشعبي يضعف – إلى حد ما – شرعية الحوثيين في تبنّي الهجمات على إسرائيل، ويُظهرهم كأداة خارجية في صراع لا يخص اليمن بقدر ما يخدم مصالح طهران.

تل أبيب: الحوثي ليس اليمن

الموقف الإسرائيلي الرسمي بدا واضحًا من خلال تصريحات كوبي لافي، المستشار السابق في وزارة الدفاع، الذي شدد على أن “الحوثيين لا يمثلون الشعب اليمني”، واصفًا إياهم بأنهم “أداة إيرانية خالصة”، في إطار مشروع توسعي تسعى إسرائيل إلى مواجهته في لبنان وسوريا والعراق واليمن على حد سواء، عبر ما تسميه بسياسة “الصبر الاستراتيجي”.

الحرب ليست تقليدية.. إنها استخباراتية بامتياز

المعركة القادمة، كما يتضح، لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات، بل بكمية المعلومات الدقيقة، والقدرة على اختراق النسيج الداخلي للحوثيين، وتعطيل خطوط تمويلهم، وتفكيك شبكاتهم الإعلامية والاستخباراتية.

في هذا السياق، تبدو إسرائيل كمن ينسج شبكة عنكبوتية حول الحوثيين، بينما يسعى الأخير لتقديم نفسه كقوة إقليمية تواجه تل أبيب، في وقتٍ يعاني فيه المواطن اليمني من الفقر، والجوع، وانعدام الدولة.

 

جبهة البحر الأحمر تشتعل.. والضحية المتكررة: اليمن

بين سطور هذا الصراع الجديد، يظهر اليمن مرة أخرى كساحة حرب بالوكالة، يدفع فيها الشعب الثمن الأكبر من دمه واستقراره ومستقبله. بينما تُدار المعارك على الهواء مباشرة، تظل الحاجة قائمة إلى حل سياسي شامل، يعيد الدولة، ويخرج اليمن من دوامة الحسابات الإقليمية التي لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى