عندما تتحول البندقية إلى منصة احتجاج: بيان الفرقة الأولى تهامة يفتح أخطر ثغرة في جبهة الساحل الغربي
تيار نيوز –تحليل خاص

رصاص لم يُطلق على الحوثيين بل داخل المعسكر نفسه
في الحروب، لا تأتي الأخطار دائمًا من خطوط التماس، بل قد تنشأ من داخل الخنادق ذاتها.
وبينما تخوض القوات المناهضة للحوثيين واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في معركة استعادة الدولة، فجّر البيان الصادر عن قيادة وضباط وأفراد الفرقة الأولى مشاة (مقاومة تهامية) جدلًا واسعًا تجاوز حدود التعيينات العسكرية ليصل إلى أسئلة أكبر تتعلق بوحدة القرار العسكري، ومستقبل التشكيلات المسلحة، وطبيعة العلاقة بين المكونات العسكرية العاملة في الساحل الغربي.
جاء البيان عقب استشهاد قائد الفرقة العميد يحيى وحيش، وتعيين العميد فاروق الخولاني خلفاً له ليطالب منتسبوا الفرقة الأولى بتعيين العميد سليمان يحيى منصر قائدًا للفرقة، مؤكدًا في الوقت نفسه ما وصفه بحق أبناء تهامة في إدارة تشكيلاتهم العسكرية والحفاظ على استقلاليتها ضمن إطار الشرعية ووزارة الدفاع مع أن القائد العسكري الجديد المعين احد أبناء تهامة ومن اوائل من واجه الحوثيين على طول وعرض المسرح العملياتي والعسكري في الساحل الغربي.
ظاهريًا يبدو الأمر مجرد مطالبة بتعيين قائد جديد، لكن القراءة العميقة تكشف أن القضية أبعد من اسم قائد أو موقع عسكري؛ إذ يفتح البيان ملفات حساسة تتصل ببنية القوات العاملة في الساحل، وحدود النفوذ بين المكونات العسكرية المختلفة، ومستقبل العلاقة بين الهوية المناطقية ومتطلبات المؤسسة العسكرية الوطنية.
انفجار سياسي في توقيت عسكري حرج
تكمن أولى الإشكاليات في أن البيان نقل خلافًا إداريًا وعسكريًا من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، واضعًا القيادة السياسية والعسكرية أمام ضغط شعبي وإعلامي مباشر.
في الدول التي تخوض حروبًا مفتوحة، تُعد وحدة الخطاب السياسي والعسكري جزءًا من أدوات المعركة.
أما ظهور خلافات داخلية إلى العلن فإنه يبعث برسائل سلبية إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
فالخصم يقرأ المشهد باعتباره مؤشرًا على وجود تصدعات داخل الجبهة المقابلة، بينما ينظر الحلفاء إليه بوصفه دليلًا على وجود أزمة إدارة أو ضعف في آليات احتواء الخلافات.
الأكثر حساسية أن البيان لم يكتفِ بمخاطبة القيادة اليمنية، بل دعا التحالف العربي إلى التدخل في الملف، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات سياسية معقدة.
فبدل أن يظهر القرار العسكري باعتباره شأنًا سياديًا داخليًا، بدا وكأنه ملف يحتاج إلى وساطة خارجية، وهو ما قد يضعف صورة المؤسسات الوطنية ويمنح خصوم الشرعية مادة سياسية إضافية للطعن في استقلالية القرار اليمني.
كما أن الخطاب المستخدم أعاد إحياء سرديات التهميش والتمثيل المناطقي، وهي ملفات شديدة الحساسية في بلد أنهكته الانقسامات والحروب، ما يجعل أي توظيف سياسي لها محفوفًا بالمخاطر.
ضربة للتراتبية العسكرية أم محاولة لفرض أمر واقع؟
من الناحية العسكرية البحتة، يطرح البيان إشكالية أكثر خطورة تتعلق بمفهوم القيادة والسيطرة داخل القوات المسلحة.
ففي الجيوش النظامية، تُحسم قضايا التعيينات والترقيات عبر السلسلة القيادية الرسمية، بينما يظل دور الوحدات العسكرية تنفيذ القرارات وليس اقتراحها أو الضغط العلني لتمريرها.
وعندما تتحول وحدة قتالية بكاملها إلى طرف معلن في معركة تعيين قائدها، فإن ذلك يخلق سابقة قد تتكرر في تشكيلات أخرى.
اليوم تطالب فرقة بتعيين قائد محدد، وغدًا قد تطالب ألوية أخرى بتغيير قيادات أو رفض قرارات تصدر من الجهات العليا.
هذه السابقة لا تهدد فقط هيبة المؤسسة العسكرية، بل تضرب جوهر مفهوم الانضباط العسكري القائم على تنفيذ الأوامر لا التفاوض حولها.
كما أن طرح اسم محدد باعتباره الخيار الوحيد الممكن يضع القيادة السياسية والعسكرية في زاوية ضيقة؛ فإذا استجابت للضغط العلني بدت وكأنها خضعت له، وإذا رفضته فقد تواجه حالة استياء داخل الفرقة نفسها.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية كيف يمكن الحفاظ على تماسك وحدة قتالية مهمة دون السماح بتحولها إلى مركز قرار مستقل؟
الساحل الغربي أمام اختبار الشراكة أم بوادر صراع نفوذ؟
أحد أخطر أبعاد البيان يتمثل في انعكاساته المحتملة على العلاقة بين التشكيلات العسكرية العاملة في الساحل الغربي.
فالساحل لا يضم قوة واحدة، بل شبكة معقدة من التشكيلات العسكرية التي نسجت خلال سنوات الحرب حالة من التنسيق الميداني رغم اختلاف مرجعياتها التنظيمية والسياسية.
وعندما يُطرح مفهوم “استقلالية التشكيلات التهامية” بهذه الصيغة العلنية، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة مع بقية القوى العسكرية الموجودة في المنطقة، وفي مقدمتها القوات المنضوية ضمن إطار المقاومة الوطنية.
الخطر هنا لا يكمن في حدوث مواجهة مباشرة، بل في تآكل الثقة المتبادلة. فالجبهات لا تنهار دائمًا بالرصاص، بل قد تنهار عندما تتراجع مستويات التنسيق وتتزايد الشكوك وتتضارب الحسابات السياسية.
وفي بيئة عسكرية معقدة مثل الساحل الغربي، فإن أي تصدع في العلاقات بين القوى الحليفة يمنح الحوثيين مكاسب مجانية دون أن يطلقوا طلقة واحدة.
فالخصم يراقب بدقة، ويبحث دائمًا عن نقاط الضعف والثغرات النفسية والتنظيمية التي يمكن استثمارها لاحقًا في الميدان.
من قضية قيادة إلى خطاب مناطقي.. المخاطر الاجتماعية الكامنة
ربما يكون الجانب الأكثر حساسية في البيان هو انتقاله من الحديث عن استحقاق عسكري إلى تبني خطاب ذي أبعاد مناطقية واضحة.
لا أحد يجادل في حق أبناء أي منطقة يمنية في التمثيل العادل داخل مؤسسات الدولة، لكن تحويل ملف تعيين قائد عسكري إلى قضية ترتبط بهوية منطقة كاملة يحمل مخاطر كبيرة.
فمثل هذا الخطاب قد يعزز الشعور بالاستقطاب بين المكونات المحلية، ويعيد إنتاج الانقسامات التي دفعت اليمن أثمانًا باهظة بسببها خلال العقود الماضية.
كما أن ربط القضية بإرث الشهيد العميد يحيى وحيش يضع رمزية الرجل في قلب التجاذبات السياسية والعسكرية، بينما يفترض أن تبقى تضحياته عامل توحيد لا محور خلاف.
ومن زاوية الرأي العام، فإن المواطن الذي يتابع هذه السجالات قد يخرج بانطباع خطير مفاده أن القوى المناهضة للحوثيين منشغلة بصراعات النفوذ والمناصب أكثر من انشغالها باستكمال المعركة، وهو انطباع قد ينعكس سلبًا على الثقة الشعبية ويؤثر في المعنويات العامة.
من يربح إذا خسر الجميع؟
بعيدًا عن الأسماء والمناصب، يكشف بيان الفرقة الأولى تهامة عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية إدارة التعدد العسكري داخل معسكر الشرعية، وحدود العلاقة بين الانتماءات المحلية ومتطلبات المؤسسة الوطنية.
فالخلافات السياسية والعسكرية ليست جديدة في زمن الحرب، لكن خطورتها تتضاعف عندما تنتقل من أروقة المؤسسات إلى البيانات العلنية، ومن النقاش الإداري إلى الخطاب الهوياتي.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للسخرية والقلق في آن واحد إذا كانت البنادق الموجهة نحو الحوثيين بدأت تنشغل بمعارك البيانات والتعيينات، فهل يحتاج الحوثيون إلى اختراق الجبهة أصلًا، أم أن بعض القوى قررت أن تقوم بالمهمة نيابة عنهم؟



