
تحميلُ اللوم للدكتور رشاد العليمي واتهامه بتهمٍ ظالمة لا يقوم على تحليلٍ موضوعي بقدر ما ينطلق من عواطفَ مسبقة ومواقفَ مبيتة في النفوس، تعجز عن استيعاب طبيعة الظرف التاريخي الذي تمرّ به اليمن؛ ظرفٍ جعل البلاد في ذيل تصنيفات الدول، وقد اجتمعت عليها كل أشكال البلاء: حربٌ وانقسام وتدخلات وفساد ومشاريع متصارعة لا يجمعها سوى اقتسام الألم.
في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن قفزٍ سريع نحو مصاف الدول المستقرة حديثًا منفصلًا عن الواقع، أو أقرب إلى الأمنيات؛ فاليمن اليوم ليست دولةً بمؤسسات مكتملة حتى يُحاسَب رئيسها بعقلية الإدارة الطبيعية، بل ساحة ألغام سياسية وعسكرية واقتصادية، تتنازعها قوى محلية وإقليمية لكلٍّ منها مشروعها ومصلحتها، وغالبًا على حساب فكرة الدولة ذاتها.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من الأطراف النافذة — سواء بدافع العداء أو الكراهية أو المصلحة — لا تريد لأي انفراجة حقيقية أن تحدث؛ فهي تقتات من أنين البلد وجراحه النازفة، وتعيش سياسيًا وإعلاميًا على استمرار الأزمة. ولو لاحت بارقة أمل، لهبوا جميعًا لوأدها في مهدها، لأن السلام والاستقرار يعريان هذه المشاريع ويجردانها من مبررات وجودها.
من هنا، فإن مجرد توجيه أصابع الاتهام نحو الدكتور العليمي بمعزل عن السياق يعني عدم إدراك ماهية الرجل ولا طبيعة الدور الذي يقوم به، كما يعني تجاهل حجم الوحل الذي يقف فيه؛ وهو وحل لا يستطيع إدارته أي شخص في اليمن، بل ربما تعجز عن تفكيكه حتى أكثر العقول دهاءً من الأحياء أو من الأموات لو قُدِّر لهم العودة.
نحن أمام مرحلة لا تقبل المجازفة ولا تحتمل المغامرين أو هواة الخطابة؛ مرحلة لا يجرؤ على إدارتها إلا من يمتلك قدرًا عاليًا من الحكمة والقدرة على ضبط التوازنات، حتى وإن بدا ذلك للبعض بطئًا أو حذرًا زائدًا. وفي هذا السياق، يظهر الدكتور العليمي — شئنا أم أبينا — بوصفه الأمل الأخير لبلد خذله الجميع وتكالب عليه أصحاب المشاريع الحقيرة والمصالح الضيقة.
ليس غريبًا إذًا أن يتمنى كثيرون فشل هذا الرجل؛ لأن نجاحه يعني فشلهم هم، وسقوط أوراقهم، وانتهاء أدوارهم، وتلاشي قدرتهم على الاستثمار في الفوضى. لذلك تتكثف حملات التشكيك، ويكثر المنظّرون الذين يقدمون نصائح من نوع: “لو يفعل كذا” أو “لو يصدر قرار كذا”، وكأننا في وضع مثالي، وكأن القرار في اليمن اليوم، بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، يصبح واجب النفاذ.
الحقيقة أن كثيرًا ممن يهاجمون العليمي أو يستخفون بمهامه هم في الأصل أعجز عن إدارة مديرية، فضلًا عن دولة ممزقة تتنازعها ألف خطام، وكل طرف يحاول جرّ الجمل إلى حظيرته الخاصة. ومع ذلك يتحدثون بخفة عن مسؤوليات غيرهم ويطالبون بحلول سحرية في واقع لا يعترف بالسحر ولا بالنيات الحسنة وحدها.
تحية لهذا القائد الحكيم الذي يخدم في ظرف لا يمنح ترف الرؤساء، بل يفرض صراعًا يوميًا مع واقع معقد، وضغوط هائلة، وخيانات معلنة ومقنّعة. تحية لمن اختار أن يتحمل العبء بدل الهروب، وأن يبقى في موقع النار بدل الوقوف في صف المتفرجين.
قد نختلف في التقييم، وقد ننتقد الأداء، لكن الإنصاف يقتضي أن نُدرك حجم المستحيل الذي يُدار، وأن نكفّ عن الحملات الممولة التي لا تخدم إلا خصوم الدولة. ومع الدكتور العليمي — في هذه المرحلة على الأقل — يجب أن يكون الموقف واضحًا: دعمٌ مسؤول، ونقدٌ عاقل، ووعيٌ بأن فشل الرجل ليس خسارته وحده، بل خسارة بلدٍ بأكمله.



