
في الليلة التي غاب فيها نومي، شعرت بأن جزءًا من نبض الوطن تلاشى، مع إعلان توقف قناة بلقيس عن البث. لم يكن الأمر مجرد خبر، بل صرخة في وجه كل من يظن أن السياسة لعبة عادلة، وأن الصوت الحر مضمون البقاء. الصوت المستقل ليس ترفًا، بل شرف وواجب، ولكنه دائمًا معرض للضغط، للابتزاز، وللتقلبات العابرة التي تصنعها المصالح الإقليمية والدولية.
التاريخ يعيد نفسه دائمًا. قبل ثمان سنوات، تلقى أنصار الزعيم الصالح خبر خسارته الكبرى، وخرجت المليشيا في صنعاء تحتفل، بينما كان الشعب يبكيه من المهرة إلى صعدة. اليوم، يغلق صوت إعلامي مستقل من تركيا، وعائلات الأسرة الإعلامية تنتظر المجهول، بينما يراها البعض انتصارًا سياسيًا..! المشهد يكشف قسوة السياسة، وأحيانًا موت الضمائر، في مواجهة قيمة الإنسان وحريته.
الأصوات الحرة ليست مجرد وسائط إعلامية، بل مرآة الوطن ومرصد الحقيقة. بلقيس لم تكن مجرد قناة، بل مشروع وطني قائم على الالتزام بالقيم، على الدفاع عن حرية التعبير، وعلى احترام كل اليمنيين. الاستقلالية التي كانت فخرها، جعلتها مهددة، لكنها لم تهن، لأنها حملت صوت الشعب بلا محاباة.
غيابها اليوم ليس مأساة للقناة وحدها، بل درس لكل مشروع وطني يسعى للبقاء مستقلًا بين تقلبات المصالح والقوى المتصارعة. الصوت الحر لا يُقهر، والمبادئ لا تُلغى، حتى إذا غابت الوسائط المادية التي تنقلها.
الوقوف بجانب الوطن لا يعني الانحياز لطرف على حساب الآخر. الوطنية الحقيقية تتجسد في مشروع شامل، يحتضن كل اليمنيين، يضمن حقوق الجميع في الحرية والأمن والسلام، ويمنع أي متطرف من مصادرة حق الآخرين في العيش الكريم. الوطنية تتجاوز الانتصارات والهزائم، ترتفع فوق الحزبية، وتبقى حاضرة في المبادئ، في التعايش، وفي احترام التنوع.
السياسة قاسية، قادرة على رفعك يومًا وإسقاطك يومًا آخر. الهزيمة ليست نهاية، والانتصار مؤقت. كل تجربة، سواء كانت إغلاق قناة أو سقوط مشروع سياسي، تعلمنا الصبر، والفهم العميق لتقلبات النفوس والمصالح، والتمسك بالقيم التي تجعل الوطن أكبر من أي طرف أو مشروع.
الأصوات الحرة، المبادئ الصادقة، والمشروع الوطني الشامل، تبقى حيّة. الوطن لا يموت بغياب وسيلة، ولا يختفي بحصار مشروع. ما حدث اليوم ليس مجرد غياب قناة، بل دعوة لكل اليمنيين ليتأملوا، ليتعلموا، ولتظل قيم الحرية والوطنية فوق كل اعتبار.
الوطن أعظم من الانتصارات الفردية، وأوسع من الهزائم المؤقتة. كل درس قاسٍ، كل صدمة، كل غياب صوت مستقل، هو فرصة لتثبيت مبادئ الحرية، لتعزيز مشروع جامع، ولتذكير الجميع أن الوطن فوق كل شيء، وأن القيم الوطنية لا تموت مع قناة أو مشروع.



