كتابات و اراء

تعز: مدينة تُنهب من أبنائها قبل أن تُحاصر من عدوها

محمد الصلاحي

لا يوجد ما هو أبشع من أن تُسرق مدينة وهي تنزف. أن تتحول الدماء في الجبهات إلى عملة صعبة في جيوب القادة، وأن يبيع العسكريون دماء الجنود وعرقهم كما تُباع السلع في الأسواق في تعز، الفساد لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل أصبح نظاماً موازياً يقف على ساقين: سلطة محلية عاجزة وفاسدة، وقيادات عسكرية متوحشة لا ترى في الجنود سوى أرقام تُستغل لصرف “موازنات” تذهب إلى الجيوب.

الجميع يعرف، لا أحد يجهل، أن محور تعز لا يكتفي بضريبة القات، بل يفرض إتاوات على كل لتر وقود، على كل أسطوانة غاز، على كل شاحنة تدخل عبر طريق الكدحة يقتطع نسباً من المنفذ الشرقي، ويبتلع موارد تكفي لإطعام جيش كامل وتسليحه وصرف مرتباته بانتظام ومع ذلك، أين يذهب كل هذا المال؟ أين تذهب هذه الإيرادات التي تُقدَّر بالملايين يومياً؟ الجواب يعرفه القادة وحدهم، لكنه ينعكس على الأرض في مشهد مأساوي: جندي مرابط لا يجد ثمن وجبة، عائلة عسكري تئن تحت الجوع، وأطفال ينامون ببطون خاوية لأن راتب والدهم عالق في جيب قائد أو مسؤول لا يعرف من الحرب إلا فواتيرها.

هذه ليست مجرد سرقات، هذه خيانة وطنية موصوفة أن تُنهب موارد مدينة محاصرة، أن يُترك جنودها بلا رواتب فيما تُشترى العمارات والسيارات الحديثة، أن يعيش القادة الكبار كأمراء حرب بينما يعيش الجنود كمتسولين، هذه جريمة لا تقل عن جريمة الحوثي الفرق الوحيد أن العدو يقتل من الخارج، بينما القادة هنا يذبحون من الداخل.

والسلطة المحلية؟ صامتة، خانعة، مفرغة من أي دور سوى تسويق الخطابات والشعارات الفارغة كأنها لا ترى ولا تسمع، أو كأنها شريكة في هذه الجريمة هي تعلم تماماً ما يجري، تعرف حجم الأموال المتدفقة يومياً، لكنها تفضل أن تُدير وجهها بعيداً هذا الصمت ليس براءة، بل تواطؤ وهذا التواطؤ هو الذي جعل الفساد يتغول حتى صار أقوى من أي محاولة للمساءلة.

أما وزارة الدفاع وهيئة الأركان، فإن صمتهما فضيحة وطنية كيف تُترك محافظة بحجم تعز، بمحور عسكري كامل، بلا رقابة مالية ولا مراجعة؟ كيف تُترك موارد تُقدَّر بمليارات الريالات تتبخر في الهواء بينما الجنود بلا مرتبات منذ شهور طويلة؟ إن هذا السكوت يرقى إلى مرتبة الشراكة في النهب كل يوم يمر دون محاسبة يعني أن الجميع مشترك في الجريمة، من القادة في تعز إلى المكاتب في عدن ومأرب والمخاء.

الناس في تعز لم يعودوا بحاجة إلى لجان تحقيق شكلية ولا تقارير إعلامية موجهة الحقيقة أوضح من الشمس: الأموال تُنهب، الجنود يُجاعون، والمدينة تُباع قطعة قطعة على طاولة الفاسدين لا يحتاج المرء إلى وثائق سرية ليعرف أن القادة يعيشون حياة بذخ لا تتناسب مع مرتباتهم، ولا يحتاج إلى تقارير رسمية ليشاهد الجندي المهزوم على الجبهة لأنه ببساطة لا يملك ما يسد رمقه.

إن ما يحدث في تعز ليس مجرد فساد إداري، بل هو تدمير ممنهج لروح المقاومة ولإرادة الصمود الجندي الذي يقاتل وهو جائع لن يقاتل طويلاً، والمقاتل الذي يرى قائده يسرق راتبه سيفقد إيمانه بالقضية هذه ليست مجرد سرقة أموال، بل سرقة مستقبل مدينة كاملة، اغتيال لإرادة صمودها، وخيانة بحجم الوطن.

الرسالة يجب أن تكون صارخة: يا قائد المحور، يا سلطة تعز، يا وزارة الدفاع، لم يعد الصمت ممكناً. الفساد في تعز ليس شائعة، إنه جرح مفتوح ينزف أمام الجميع إن استمراره يعني أنكم شركاء في هزيمة هذه المدينة من الداخل، وأنكم تبيعون دماء الجنود كما تباع السلع الرخيصة والتاريخ لن يرحمكم هذه الخيانة لن تُنسى، وستبقى وصمة عار في جبين كل من سكت أو تواطأ أو شارك.

تعز اليوم ليست مجرد جبهة، إنها ميزان أخلاقي للأمة كلها إن سقطت بأيدي الفساد فلن تنقذها أي بطولات عسكرية ولا شعارات وطنية وإن استمر هذا النهب، فإن العدو الحقيقي لن يكون على أطراف المدينة بل في مكاتبها ومعسكراتها وفللها وما لم يتحرك الناس، ما لم يتحرك الجنود أنفسهم للمطالبة بحقوقهم، فإن هذه المدينة ستُدفن بيد أبنائها قبل أن يُطلق العدو رصاصة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى